
لم احب نشر صور الاعتداء الاخير على شرطي بالحسيمة وحتى بمدن أخرى احتراما لرجل الأمن ومؤسسته التي تحمي المواطنين والتي تتعرض للخطر من أجل ذلك، لها كل الاحترام والتقدير، وهنا لابد من الترحم على رجال الامن الذين فقدوا أرواحهم من اجل إنقاذ مواطن أو مواطنة من يد مجرم أو معتد بالسلاح الأبيض.
لكن لابد من القول إن ما يحدث يعد مؤشرا خطيرا على ما وصل إليه مجتمعنا أو إلى ما وصل إليه جيل من الشباب يائس لم يعد يؤمن بأي قيم ولا يحترم أحدا، بحيث أصبح يفضل السجن على الشارع أو المنزل لأنه يوفر له كل حاجياته. وهنا نطرح سؤالا: ما دور السجن اليوم؟
أكيد البطالة والفقر والهشاشة والفوارق الاجتماعية والمشاكل العائلية والسيكولولجية من بين الأسباب الرئيسية، لكن هناك أسباب أخرى لا تقل أهمية عن الاولى وهي بعجالة:
-التحول القيمي الذي يعيشه المجتمع المغربي وهو تحول خطير:
انهارت منظومة القيم والأخلاق وتماسك الأسرة التي كانت الضامن الأساسي للمجتمع.
-لم نستثمر في الإنسان أو المواطن ثقافيا وتربويا وتعليميا ودينيا حتى يترسخ له الإحساس بالانتماء لوطن ولمجتمع يحضنه ويعيش من أجله.
-انعدام الإحساس بالأمن النفسي والاجتماعي لدى المواطن الذي يبدو له المجتمع كغابة القوي يفترس فيها الضعيف، ونحن يوميا نسمع ما يعبر عن ذلك: كييت لي جات فيه، والله ما يعقل عليك شي حد، راسي راسي هاد الزمان… بمعنى طغيان الفردانية والطمع والجشع ووو.
-رغم جانبها الإيجابي إلا أن الثورة الرقمية كان لها أثر خطير على مجتمعنا كباقي المجتمعات الأخرى: ماذا يرى شبابنا يوميا (بل ماذا نرى كلنا) على وسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك، تويتر، انستغرام، يوتوب، تيك طوك؟ جرائم، سرقة، قتل، بورنو يكل تلاوينه، غنى فاحش أو فقر مذقع والائحة طويلة، بمعنى كل ما يسبب الاكتئاب نتيجة الحرمان أو ما يهيج الغرائز والإجرام.
-هناك أيضا الفراغ خاصة الفراغ الثقافي والروحي في حياة الشباب الذي أصبح يعيش في عبثية وما بين واتساب وتيك طوك، وهنا نشير إلى تراجع في السنوات الأخيرة دور الجكومة ومؤسساتها الشبابية وتراجع دور المجتمع المدني الذي لا يتوفر على الإمكانيات الكبيرة لإنجاح عملية التأطير الجيد ومساعدة الشباب على تحقيق ذاته. (طبعا لا نبخس عمل الحكومات والمجتمع المدني في هذا المجال).
-ثم هناك سبب اخر في اعتقادي له تأثير على الشباب وعلى الجميع:
ما هوية مجتمعنا؟ بمعنى بالدارجة: ما بقيناش عارفين شكون حنا وشنو بغينا: نريد ان نقلد النموذج الغربي وفي نفس الوقت الشرقي او العربي، نريد الحداثة والعصرنة وفي نفس الوقت نريد التشبث بالتقاليد، في الشارع السونبزم وفي المنزل تمغربيت، نريد ان نخلط عربية وأمازيغية ودارجة وفرنسية وإنجليزية (التشرميل اللغوي والفكري)، وزيد وزيد…كل هذا ينعكس على المجتمع وخاصة الشباب.
هذه بعض الأفكار وليدة اللحظة والنابعة من واقعنا، لاشك أن المحللين الاجتماعيين والنفسيين والاقتصاديين لهم نظرة أوسع، لكن الحالة تزيد استفحالا وتستدعي علاجا فوريا ومقاربة شمولية، فكما نخشى على سلامة رجال الامن ورجال الدرك، نخشى أيضا على سلامة المواطنين وعلى الاستقرار الذي ينعم به المغرب والحمد لله، فكم من نعمة لا نعرف مقدارها إلا عندما نفقدها.
تحية خالصة لرجال الأمن والدرك الساهرين على امن وسلامة المواطنين وعلى السير العام. نسأل الله أن يحفظهم لأسرهم من كل سوء ومكروه.



