عاشت مدينة مكناس، أمس الأحد، على وقع أزمة نقل حقيقية، كشفت عن إختلالات عميقة في تدبير هذا القطاع الحيوي، خاصة في ظرفية إستثنائية تعرف توافدًا كبيرًا للزوار تزامنًا مع فعاليات المعرض الدولي للفلاحة.
أكثر من ثلاث ساعات من الإنتظار لم تكن مجرد رقم عابر، بل كانت عنوانًا لمعاناة يومية عاشها المواطنون في محطات الحافلات، حيث تحولت لحظات الترقب إلى حالة من التوتر والإحتقان، فتحت الباب على مصراعيه أمام مظاهر الفوضى. نقل سري، نقل مزدوج يشتغل خارج نطاقه المعتاد، بل وحتى سيارات مخصصة لنقل السلع وجدت لنفسها موطئ قدم في نقل المواطنين، في مشهد يعكس غياب المراقبة وإرتباكًا واضحًا في التنظيم.
النقل المزدوج، المعروف بخطوطه القروية وشبه الحضرية خارج المدينة، إخترق هذه المرة المجال الحضري، مستغلًا الفراغ الكبير الذي تركه غياب الحافلات و سيارات الأجرة، في سلوك يطرح أكثر من علامة إستفهام حول مدى إحترام القوانين المنظمة للقطاع.
ومن قلب هذه الفوضى، تنقل مشاهد يومية تعكس حجم الأزمة: صاحب سيارة خاصة يفاوض سيدة حول تسعيرة الرحلة من باب بلقاري إلى حي البساتين مقابل 10 دراهم للشخص، في حين يعرض النقل المزدوج نفس المسار بـ5 دراهم، وكل ذلك خارج أي إطار قانوني. المفارقة أن نفس المسافة محددة رسميًا في 5 دراهم عبر سيارات الأجرة، لكن الأخيرة بدورها ساهمت، بشكل أو بآخر، في تعميق الأزمة، حيث يفضل العديد من السائقين الإشتغال في خطوط معينة أكثر ربحًا، مثل باب بلقاري – حمرية، على حساب وجهات أخرى تُركت لمصيرها.
أمام هذا الوضع، يبرز سؤال ملحّ: ألم يكن من الأجدر على الجهات المعنية إستباق هذه الأزمة عبر تمديد ساعات عمل حافلات النقل الحضري، خاصة خلال فترة تعرف ضغطًا إستثنائيًا؟ أم أن تدبير هذا القطاع ما زال يخضع لمنطق ردّ الفعل بدل التخطيط المسبق؟
ما عاشته مكناس ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو جرس إنذار حقيقي يستدعي تدخلاً عاجلاً لإعادة ضبط القطاع، حمايةً لكرامة المواطن، وفرضًا لهيبة القانون، قبل أن تتحول الفوضى إلى قاعدة.



