
في السياسة، كثيرا ما تتحول المعارك الانتخابية إلى سباق في تقديم الدروس للخصوم حول الأخلاق والنزاهة وتخليق الحياة العامة. لكن أحيانا، لا تأتي المفارقة من كلام الخصوم، بل من الاعترافات التي يقدمها السياسي نفسه وهو يحاول الدفاع عن نفسه.
هذا ما يفرض نفسه في قضية العربي المحرشي، البرلماني عن إقليم وزان وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي اختار، في خضم مواجهة سياسية مع أحد منافسيه، أن يشهر ورقة مالية ثقيلة: شيك بقيمة 100 ألف درهم، قال، في شريط مصور نشره، إن خصمه سلمه له قبل نحو ست سنوات كضمانة مقابل قرض حصل عليه منه لبناء منزل.
المحرشي قدم الواقعة باعتبارها ردا على اتهامات يوجهها إليه منافسه بشأن مصدر ثروته ومساره المهني، متسائلا، في مضمون تصريحه، كيف لشخص يتهمه اليوم بأن أمواله “حرام” أن يكون قد لجأ إليه بالأمس لاقتراض المال وبناء منزل لأبنائه.
سياسيا، تبدو الحجة واضحة: “إذا كانت أموالي حرام، فلماذا لجأت إليها عندما كنت في حاجة إلى المال؟”.
لكن، هنا تحديدا تبدأ المفارقة.
فالشخص الذي يقدم نفسه، أو يقدم في المشهد السياسي، باعتباره أحد المدافعين عن تخليق الحياة العامة، يجد نفسه أمام واقعة مالية يعترف بها بنفسه، وتحتاج بدورها إلى قراءة قانونية وأخلاقية هادئة، بعيدا عن الحسابات الانتخابية.
فالقانون المنظم لممارسة الأنشطة الائتمانية في المغرب يضع إطارا خاصا لممارسة عمليات الائتمان بشكل اعتيادي، ويخضع مؤسسات الائتمان والجهات المخول لها قانونا لمقتضيات ورقابة محددة.
ولذلك، فإن الحديث عن قروض مالية شخصية، وعن شيكات تقدم كضمانات، لا ينبغي أن يمر فقط باعتباره تفصيلا في معركة سياسية، بل يطرح أسئلة حول طبيعة العملية، وتكرارها، وصفة الأطراف فيها، والأساس القانوني الذي تمت بموجبه.
والأهم من ذلك أن الاعتراف نفسه هو الذي فتح الباب أمام هذه الأسئلة.
فالمحرشي لم يتحدث عن إشاعة مجهولة المصدر، ولم ينقل واقعة رواها خصم سياسي عنه، بل قدم روايته بنفسه، وقال بوضوح إن الشخص الذي يتهمه اليوم هو نفسه الذي اقترض منه مبلغا ماليا، وقدم له شيكا كضمانة.
وبصرف النظر عن مدى سلامة العملية من الناحية القانونية، وعن طبيعة العلاقة المالية بين الطرفين، فإن الواقعة تكشف وجها آخر من أوجه العلاقة بين المال والسياسة، خصوصا عندما يكون الطرف المقرض شخصية سياسية تشغل منصبا تمثيليا وتشارك في صناعة القرار العمومي.
والمفارقة لا تكمن فقط في القرض، وإنما في الطريقة التي خرجت بها الواقعة إلى العلن.
فالشيك لم يظهر في سياق معاملة تجارية عادية، بل ظهر في خضم ما يمكن وصفه بـ “صراعات انتخابية”. ومعناه أن علاقة مالية خاصة عمرها سنوات تحولت، بفعل الصراع السياسي، إلى وثيقة تستخدم لإحراج الخصم وإضعاف روايته.
وهنا يبرز سؤال أكبر.. هل يجوز للسياسي أن يطالب خصومه بتخليق الخطاب السياسي، بينما تكشف ممارساته الخاصة عن معاملات مالية تحتاج هي الأخرى إلى التوضيح؟.
ليس المطلوب إصدار حكم مسبق على الواقعة، ولا تحويل شيك إلى إدانة، وإنما وضع الأمور في سياقها الطبيعي.
السياسي الذي يرفع شعار النزاهة وتخليق الحياة العامة مطالب بأن يكون أكثر حرصا من غيره على وضوح معاملاته المالية، لأن ما قد يبدو في الحياة الخاصة مسألة شخصية، يصبح مختلفا عندما يتعلق الأمر بشخص يمارس العمل السياسي ويتولى مسؤولية تمثيلية.
وهنا تصبح العبارة الأكثر دلالة في هذه القصة: كيف لمن لا يخلق معاملاته المالية أن يقدم دروسا في تخليق الحياة السياسية؟.
السؤال ليس اتهاما، بل امتحان للاتساق بين الخطاب والممارسة.
فالمطلوب من السياسي ليس فقط أن يطالب خصمه بتقديم الحسابات، وإنما أن يكون مستعدا هو أيضا لتقديم تفسير واضح عندما تطرح حول معاملاته أسئلة مشروعة.
المحرشي كان يريد، من خلال إشهار الشيك، قلب الاتهامات الموجهة إليه على صاحبها: الرجل الذي يصف ثروته بأنها مشبوهة سبق له أن اقترض منه.
لكن هذه الورقة نفسها نقلت النقاش إلى مساحة أخرى.
فبدلا من أن يبقى السؤال مرتبطا بالتصريحات الصادرة عن المرشح للانتخابات بذات الإقليم؟، أصبح هناك سؤالا إضافيا مطروحا، وهو لماذا كان نائب برلماني وقيادي حزبي يمارس الإقراض الشخصي، وما طبيعة هذه العملية؟ وهل كانت حالة منفردة أم أن الأمر يتعلق بنمط من المعاملات؟.
وهذه الأسئلة لا يجيب عنها تبادل الاتهامات. وإنما تحتاج إلى وضوح في الوقائع، وإلى احترام القانون، وإلى شفافية أكبر من تلك التي يفرضها مجرد الرد السياسي على الخصوم.
والأكثر دلالة أن القضية تكشف أيضا كيف يمكن للمعاملات المالية الخاصة أن تتحول إلى أدوات ضغط داخل المعارك السياسية.
فالشيك الذي كان يفترض أن يكون مجرد ضمانة في معاملة مالية، أصبح بعد سنوات وثيقة سياسية، وخرج من دائرة العلاقة الخاصة إلى فضاء الصراع الانتخابي.
وهذا بحد ذاته يطرح سؤالا حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين المال الخاص والعمل السياسي.
وفي نهاية المطاف، ليست القضية في الشيك وحده، ولا في مبلغ المقترض، ولا حتى في الخصومة الانتخابية بين طرفين.
القضية الأعمق هي أن تخليق الحياة السياسية لا يمكن أن يكون خطابا موجها إلى الآخرين فقط.
فمن يطالب بتخليق المشهد السياسي، يفترض أن يكون مستعدا أولا لتخليق ممارسته السياسية والمالية، وأن تكون معاملاته واضحة وقابلة للتفسير، خصوصا عندما تتحول تلك المعاملات إلى مادة في سجال انتخابي.
أما استعمال واقعة مالية قديمة لإحراج الخصم، ثم اكتشاف أن الواقعة نفسها تضع صاحبها أمام أسئلة جديدة، فهو نموذج صارخ على أن المعارك السياسية قد ترتد أحيانا على أصحابها.



