ما إن تنتهي “حمى” الانتخابات وتُغلق صناديق الاقتراع، حتى يدخل إقليم شفشاون في فصل غريب من فصول السياسة المحلية؛ فصلٌ عنوانه الأبرز: “الاختفاء الجماعي”.
فجأة، تتبخر الوعود الوردية، وتصمت الهواتف التي كانت ترن ليل نهار، وتعود المسافات لتتسع بين المداشر المنسية في أعالي جبال الجبهة، وباب برد، وبني أحمد، وبين مسؤوليها الذين غادروا الجغرافيا المحلية نحو المكاتب المكيفة في الحواضر الكبرى، تاركين الساكنة تواجه مصيرها المعزول مع قساوة الطبيعة وغياب التنمية.
وتتحول الحملات الانتخابية في إقليم شفشاون دائما إلى “مهرجان للمشاعر الإنسانية المصطنعة”؛ حيث نرى مرشحين ببدلاتهم الأنيقة يتجشمون عناء الصعود عبر المسالك الوعرة، يصافحون الفلاح البسيط، ويقبلون رؤوس الشيوخ، ويشربون الشاي في البيوت الطينية، واعدين بـ “ثورة تنموية” تنهي أزمات العطش، والصحة، والطرق.
لكن، بمجرد الإعلان عن النتائج وظفر “النخبة” بالمقاعد المريحة، يسقط القناع، تنقلب الآية، ويصبح الوصول إلى البرلماني أو رئيس المجلس الإقليمي أو الجماعي أصعب بكثير من تسلق قمة “تيسوكا”، يتحول المسؤول من “خادم للشعب” في مرحلة الاستجداء، إلى “شبح سياسي” يُسمع عنه ولا يُرى، ويسير شؤون إقليم جبلي معقد من خلف زجاج سيارته الفارهة في طنجة، أو تطوان، أو الرباط.
وتسيير إقليم بحجم وتضاريس شفشاون لا يمكن أن ينجح بـ “الريموت كونترول”، الساكنة التي تعاني الأمرين في فصل الصيف بحثا عن قطرة ماء، والتي تحاصرها الثلوج والأمطار في فصل الشتاء دون مسالك معبدة أو مستشفيات مجهزة، لا تحتاج إلى مسؤولين “موسميين” يظهرون مع اقتراب المواعيد الانتخابية لبيع الأوهام، ثم يختفون في “بيات شتوي وسياسي” طويل.
وهذا “الغياب الموسمي” ليس مجرد تقصير إداري، بل هو ضرب مباشر لمصداقية العمل السياسي، وتعميق لشرخ الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وهو تكريس لعقلية تنظر إلى الساكنة كمجرد “خزان أصوات” يُفتح كل بضع سنوات، ثم يُغلق عليه بالمفتاح.
ولم يعد مقبولا اليوم، في ظل الوعي المتنامي والدينامية التي يشهدها المغرب، أن يظل مسؤولو شفشاون يمارسون السياسة بعقلية “الأعيان” خلف الأبواب الموصدة.
بوضوح، المطلوب اليوم هو “النزول الميداني الدائم”، والإنصات الحقيقي واليومي لآلام الناس وآمالهم في المداشر والقرى قبل المراكز، كما على النخبة السياسية المحلية أن تدرك أن مشروعية بقائها في مناصبها مرتبطة بمدى قدرتها على الغبار الذي يملأ أحذيتها في الميدان، وليس بعدد الساعات التي تقضيها في صالونات العاصمة الرباط، وإذا كانت كراسي المسؤولية في الجبل “متعبة” لمن اعتادوا الرخام، فإن أشرف لهم وللإقليم.. أن يترجلوا عنها.
