كشفت التطورات الأخيرة داخل جبهة البوليساريو عن انقسام داخلي عميق ظل لسنوات طيّ الكتمان، قبل أن يخرج إلى العلن عقب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي دان بشكل صريح انتهاكات البوليساريو لوقف إطلاق النار، واصفاً بعض أفعالها بـ”العدوان الإرهابي”.
ويفصّل التقرير في الهجمات الصاروخية التي استهدفت بلدتي المحبس والسمارة، مؤكداً أن الحركة الانفصالية تسلك منحى خطيراً عبر مهاجمة المدنيين العزّل، في خرق صارخ لالتزاماتها الدولية.
في خضم هذا الوضع، برزت إلى السطح ما تُعرف بـ”حركة السلام” داخل البوليساريو، والتي ترى في الأزمة الراهنة فرصة تاريخية لتصحيح المسار. هذه الحركة، التي تنشط إعلامياً من أوروبا وشمال موريتانيا وعدد من العواصم الإفريقية، تروّج لسردية جديدة تدعو إلى الانخراط الواقعي في مشروع الحكم الذاتي المغربي باعتباره حلاً سياسياً موثوقاً ومستداماً.
وتفضّل هذه المنصات الدعوة إلى “التفاوض حول شروط تنفيذ الحكم الذاتي” بدل الطعن في مبدئه، في تحول فكري واضح يعكس تراجع التأييد الشعبي لخطاب الحرب والتصلب الإيديولوجي داخل المخيمات، مقابل الإعجاب بالنمو الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية للمملكة.
في المقابل، ردّت قيادة إبراهيم غالي المتشددة على هذا التيار الجديد بحملة قمع واسعة، شملت اعتقالات ومراقبة مشددة للاتصالات، ووصم كل دعوة للانفتاح على المغرب بـ”الخيانة”. هذه الردود عمّقت الشرخ الداخلي وحوّلت حالة الخوف إلى غضب صامت داخل صفوف الجبهة.
على الصعيد الدولي، عزّز تقرير غوتيريش عزلة البوليساريو، بعد أن أشار بوضوح إلى الطابع الإرهابي لهجماتها ضد المدنيين وبعثة المينورسو، ما يفتح الباب أمام إمكانية تصنيفها كمنظمة مسلحة خارجة عن القانون.
وتزايدت داخل مجلس الأمن الدعوات إلى فرض عقوبات موجهة ضد قادة الجبهة وداعمها الرئيسي، النظام العسكري الجزائري، المتهم بتمويل وإيواء كيان يزعزع استقرار المنطقة.
أما الرسالة الأخيرة التي بعث بها ممثل البوليساريو إلى الأمم المتحدة، والتي تضمنت اتهامات لواشنطن بالانحياز إلى الرباط ورفضاً للحوار حول مشروع القرار الأمريكي، فقد كشفت عزلة القيادة وفقدانها للبوصلة السياسية.
اليوم، لم تعد جبهة البوليساريو تبدو كجبهة موحدة، بل ككيان متفكك تتنازعه تيارات متصارعة بين دعاة الحرب وأنصار السلام الواقعي. وفي ظل انسحاب جزائري تدريجي وتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، يبدو أن المنطقة تقترب من منعطف تاريخي قد يُنهي حقبة الانفصال ويُكرّس حلاً سياسياً دائماً قائماً على الاستقرار والتنمية والسيادة المغربية.




