شريط الاخبار
           

القرض الفلاحي للمغرب.. عندما يفرض الدور التنموي مقاربة تواصلية مختلفة

القرض الفلاحي

بين الفينة والأخرى تخرج علينا بعض الأصوات توجه سهام نقدها لبعض المؤسسات العمومية، بشكل يتعارض تماما مع مبادئ المنهج النقدي الرصين، المبني على الوقائع الذاتية والموضوعية، التي يمكن اعتمادها علميا لتعضيد هذا النقد.

ومن الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في هذا الإطار، هو خروج بعض الجهات لتوجيه سهام نقذها لمؤسسة القرض الفلاحي للمغرب، وغياب التوصل لديها، كما لو كان لزاما على هذه المؤسسة أن تبني استراتيجيتها التواصلية تماما كما تقوم بذلك الإدارات العادية أو الشركات التجارية، أو الأحزاب السياسية، او القطاعات الوزارية، او غيرها من المؤسسات التي لا تتقاسم معها نفس مجال الاشتغال. غير أن هذا الطرح يفترض، بشكل ضمني، أن المؤسسة البنكية مطالبة بتبني نفس المقاربات التواصلية المعتمدة لدى الإدارات العمومية أو الأحزاب السياسية أو الشركات التجارية، وهو افتراض لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصية القطاع البنكي وطبيعة اشتغاله.

فالملاحظ أن العديد من هذه الانتقادات لا تستند إلى وثائق أو معطيات دقيقة أو مؤشرات قابلة للقياس، كما أنها لا تقدم أمثلة واضحة أو مواقف موثقة صادرة عن جهات معنية تعبر فعلا عن وجود أزمة تواصل داخل المؤسسة.
وفي كثير من الأحيان يلجأ المنتقدون إلى أسلوب التعميم وإطلاق أحكام عامة يمكن إسقاطها على أي مؤسسة، دون تمييز بين السياقات والاختصاصات والرهانات المختلفة.

والأكثر من ذلك، أن بعض هذه القراءات تنتهي إلى استنتاج وجود أزمة داخل المؤسسة انطلاقا من مقدمات غير مثبتة، وهو ما يجعلها تعكس موقف صاحبها أكثر مما تعكس الواقع الفعلي لهذه المؤسسة أو تلك.

وحتى لو افترضنا جدلا، أن هناك محدودية في التواصل، فإن ذلك لا يعني دليلا تلقائيا على وجود مشكلة، فالمؤسسات المالية، بخلاف العديد من القطاعات الأخرى، تخضع لاعتبارات قانونية وتنظيمية وحكاماتية دقيقة قد تفرض عليها اختيار مستويات معينة من التواصل أو التحفظ في بعض الملفات.
وتتميز الأبناء بخصوصية تجعل التواصل جزءا من منظومة تدبير المخاطر وحماية الثقة، وليس مجرد أداة للتسويق أو الحضور الإعلامي، لذلك تعتمد المؤسسات البنكية الحديثة على مقاربات تواصلية متعددة ومتكاملة.

وتأسيسا على ذلك، فإن المؤسسة القرض الفلاحي للمغرب، وبالاستناد على الفئة التي تستهدفها والدور التنموي الذي تقوم به، فأول ما يميز المؤسسة هو تنوع جمهورها المستهدف. فهي لا تتعامل فقط مع الزبون البنكي التقليدي، بل تشمل خدماتها الفلاحين الصغار والمتوسطين، والتعاونيات الفلاحية، والمستثمرين في القطاع الزراعي، وسكان العالم القروي، فضلا عن المقاولات المرتبطة بسلاسل الإنتاج الفلاحي.

لذلك فإن التواصل داخل المؤسسة لا يمكن أن يكون نخبويا أو تقنيا صرفا، بل يتعين أن يكون مبسطا وقريبا من الواقع الميداني.

كما أن القرض الفلاحي للمغرب لا ينظر إليه كمؤسسة مالية فقط، بل كفاعل اقتصادي وتنموي يساهم في مواكبة السياسات العمومية المرتبطة بالفلاحة والتنمية القروية، ومن ثم فإن سياسته التواصلية لا يقتصر على الترويج للمنتجات والخدمات البنكية، بل يمتد إلى شرح برامج التمويل والمواكبة والدعم الموجهة للعالم القروي.

ومن أبرز خصوصيات المؤسسة أيضا حضورها الميداني الواسع داخل المناطق القروية والفلاحية، حيث تشكل الوكالات والتمثيليات المحلية إحدى أهم قنوات التواصل المباشر مع الفلاحين والمهنيين، وبناء عليه قد يكون التواصل الميداني أكثر تأثيرا وفعالية من بعض أشكال التواصل الإعلامي التقليدي.

وتفرض طبيعة النشاط الفلاحي بدورها خصوصية إضافية على المقاربة التواصلية للمؤسسة، إذ يرتبط جزء مهم من تواصلها بالمواسم والدورات الفلاحية، سواء تعلق الأمر بحملات التمويل الموسمية، أو مواكبة الفلاحين خلال فترات الجفاف، أو برامج التأمين الفلاحي، أو تمويل مختلف سلاسل الإنتاج. وهو ما يجعل التواصل مرتبطا بالحاجيات العملية للقطاع أكثر من ارتباطه بالظهور الإعلامي.

وتظهر أيضا المنهجية التواصلية المعتمدة من طرف المؤسسة، بشكل أكبر خلال فترات الأزمات أو الظرفيات الاستثنائية، مثل مواسم الجفاف أو الفيضانات أو برامج إعادة جدولة ديون الفلاحين أو إطلاق آليات الدعم الخاصة، وفي مثل هذه الحالات يصبح التواصل أداة أساسية لشرح التدابير المتخذة وطمأنة الفلاحين والشركاء وتعزيز الثقة في المؤسسة.

ويمكن لكل من يتابع أنشطة القرض الفلاحي للمغرب، أن يلاحظ أن المؤسسة تعتمد أشكالا متعددة من التواصل تتلاءم مع طبيعة مهامها. ويتجلى ذلك في إصدار البلاغات الرسمية المتعلقة بنتائجها المالية وأنشطتها، وتنظيم اللقاءات والندوات المرتبطة بالقطاع الفلاحي، والمشاركة في المعارض الكبرى وعلى رأسها المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب، فضلا عن التواصل المستمر حول برامج تمويل الفلاحين والمقاولين القرويين.

كما تحرص المؤسسة على التعريف بمنتجاتها وخدماتها عبر موقعها الإلكتروني ومنصاتها الرقمية، وتواكب مختلف البرامج الوطنية المرتبطة بالفلاحة والتنمية القروية من خلال حملات تواصلية موجهة للفلاحين والتعاونيات والمهنيين.

وخلال السنوات الأخيرة، واكبت المؤسسة عددا من الظرفيات الاستثنائية المرتبطة بتوالي سنوات الجفاف، من خلال التواصل حول آليات الدعم وإعادة جدولة القروض ومواكبة الفلاحين المتضررين، وهو نفس الأمر الذي تقوم به بعد الفيضانات التي ضربت عدد من المناطق، وهو ما يبرز أن تواصلها يرتبط أساسا بخدمة مهامها التنموية والاقتصادية أكثر من ارتباطه بمنطق الحضور الإعلامي اليومي.

كما أن شبكة الوكالات المنتشرة في مختلف المناطق الفلاحية والقروية تشكل في حد ذاتها إحدى أهم قنوات التواصل المباشر مع الزبناء، حيث يتم تقديم المعلومات والتوجيه والمواكبة بشكل ميداني ومستمر، وهو نمط من التواصل قد لا يحظى بالظهور الإعلامي نفسه، لكنه يظل الأكثر تأثيرا بالنسبة للفئات المستهدفة.

لذلك فإن تقييم التواصل داخل القرض الفلاحي للمغرب ينبغي أن ينطلق من طبيعة المؤسسة ورسالتها وأدوارها التنموية، لا من مقارنات قد تبدو مغرية لكنها لا تراعي خصوصية قطاع بنكي يرتبط جزء كبير من نجاحه بتدبير الثقة والمسؤولية المؤسساتية.

شارك المقال شارك غرد إرسال