عندما وقعت مؤسسة القرض الفلاحي للمغرب، بتوقيع اتفاقية شراكة مع وزارة الفلاحة، لتعزيز الشمول المالي بالوسط القروي، وتنزيل مقتضيات برنامج التربية المالية لفائدة المستفيدين من مشروع “باديرمو” بجهة الشرق، فإن المؤسسة وضعت أصبعها على الجرح الذي دائما ما عانى منه الفلاح البسيط، على اعتبار أن هذا الأخير قد يجد إشكالات مع التمويل لكنه أيضا تعقيدات في تدبير هذا التمويل حين يتوفر.
فمؤسسة القرض الفلاحي للمغرب، وبحكم عملها الميداني الوثيق مع الفلاحين، تعرف كم المشاريع التي تعثرت ليس فقط بسبب قلة الموارد، بل بسبب سوء تقدير التكاليف، أو غياب التخطيط للمخاطر، أو اللجوء إلى قروض غير ملائمة، هنا تحديداً تبرز أهمية التربية المالية، ليس كبديل عن القرض، بل كأداة تحميه من أن يتحول إلى عبء إضافي.
لذلك فهذه الاتفاقية تهدف تنفيذ برنامج للتربية المالية لفائدة الذي يهدف إلى تقوية مهارات نحو 10 آلاف مستفيد في مجالات التدبير المالي، لاسيما إدارة الميزانية، والادخار، والاستعمال المسؤول للقروض، بما يساهم في تحسين الاندماج المالي لهذه الفئات.
وعلى هذا الأساس فالتربية المالية، في جوهرها، ليست شرحاً بسيطاً لكيفية الادخار، بل هي تمكين حقيقي للفلاح من فهم دورة أمواله، كيف يخطط للموسم، كيف يحسب الكلفة الحقيقية للإنتاج، كيف يقارن بين خيارات التمويل، وكيف يتخذ قرارات تقلل من المخاطر في بيئة غير مستقرة أصلاً بسبب الجفاف وتقلبات السوق.
هذا مع الأخذ بعين الاعتبار، أن الحديث عن صعوبة الولوج إلى التمويل لا ينفصل عن هذه النقطة، فالمؤسسات البنكية عموما، ليست جمعية خيرية أو منظمة إحسانيه، بل هي مؤسسة إما تجارية، أو مؤسسة تنموية كما هو الحال بالنسبة لمؤسسة القرض الفلاحي للمغرب، وبالتالي فهي تبني قراراتها على معايير تتعلق بالقدرة على السداد وإدارة المخاطر، فكلما كان الفلاح أكثر قدرة على تقديم مشروع واضح، بحسابات دقيقة، ورؤية مالية متماسكة، زادت فرصه في الحصول على شروط أفضل، ومن هنا تتحول التربية المالية من دروس إلى رافعة تفاوض حقيقية.
خلاصة القول، إن التربية المالية، ليست ترفا أو فسحة لتضييع الوقت، بل هي برنامج ملح للفلاح الصغير، لأننا لا يجب أن نغفل هذا الجانب الأساسي من معادلة الهشاشة في العالم القروي، التي تأخذ أبعاد أخرى أكبر وأكثر من عالم المدينة، ولذلك فالمؤسسة، تنظر إلى هذا البرنامج باعتباره جزء من حل متكامل تمويل مناسب، مرفوق بتأطير فعلي، ومعرفة تمكن الفلاح من الوقوف على قدميه والتطور.
لأن الرهان الحقيقي بالنسبة للمؤسسة ليس فقط في منح القروض، بل ضمان أن تتحول هذه القروض إلى مشاريع ناجحة، لا إلى ديون متراكمة.
وبهذا المعنى، فإن برنامج التربية المالية ليس هروبا إلى الأمام، بل محاولة لمعالجة أزمة ومشكل موضوعي، من خلال تمكين الفلاح من مفاتيح وأدوات القرار.

