عاش حزب التجمع الوطني للأحرار لحظات مؤثرة خلال المؤتمر الاستثنائي الأخير، حيث بدا التأثر واضحاً داخل دائرة القرار، وذرفت الدموع من طرف عدد من الأعضاء أثناء وبعد انتهاء الكلمة الوداعية لعزيز أخنوش، الذي لم يُخفِ هو الآخر تأثره. واعتبر كثيرون داخل الحزب أن هذه المرحلة تُعد من أحسن الفترات التي مر منها التنظيم، مرحلة يُجمع المتابعون على أنها لن تتكرر إلا بحدوث المستحيل.
وخلال السنة الأخيرة، دخل أخنوش في مواجهة مباشرة مع أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، كان أبرزها الغضب الاجتماعي المرتبط بغلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما أدى إلى خروج احتجاجات ومظاهرات في عدة مدن، ارتبط فيها الفشل الحكومي مباشرة باسم رئيس الحكومة وحزبه.
غير أن أخطر ما ميّز هذه المرحلة هو أسلوب الخطاب السياسي الذي اعتمده أخنوش، خاصة تصريحه المثير للجدل: “إلى كانو باغيني أنا هنا، وإلى ما بغيتونيش نمشي بحالي”، وهو تصريح عكس ارتباكاً سياسياً أكثر مما عبّر عن ثقة، خصوصاً من رجل سبق له أن ترأس الحكومة ويُفترض أن يكون على دراية بطبيعة الدولة المغربية، التي لا تُدار بردود الفعل ولا بالخطاب العاطفي.
ورغم أن أخنوش عايش تجربة عبد الإله بنكيران عن قرب، إلا أنه لم يستوعب درسها السياسي كما ينبغي. فبنكيران، حين سمح لسعد الدين العثماني بتولي رئاسة الحكومة، فعل ذلك وهو يراهن على أن العدالة والتنمية ستظل هي الحزب القائد للحكومة آنذاك، وأن عودته إلى الواجهة مسألة وقت، مستفيداً من شرعية حزبية قائمة ومن رصيد سياسي وشعبي متراكم. وقد اعتبر بنكيران تلك المرحلة مجرد محطة عابرة في مساره السياسي.
غير أن أخنوش فضّل اللعب بالطريقة نفسها، دون توفر الشروط ذاتها. إذ أقدم على تشجيع محمد شوكي لتولي قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، في خطوة فُهمت على أنها محاولة للحكم من الخلف أو الاستمرار في التحكم في مفاصل الحزب دون تحمل المسؤولية المباشرة. غير أن هذا الرهان، حسب عدد من المراقبين، يفتقد للأساس السياسي الصلب، خصوصاً في ظل ضعف الكفاءة القيادية لشوكي وغياب تجربة سياسية قوية تؤهله لقيادة حزب بحجم “الحمامة”، ما يُنذر بإضعاف الحزب بدل الحفاظ على تماسكه.
كما أن التخلي عن أسماء وازنة داخل الحزب، مثل أوجار ثم الحفيظ العلمي، شكّل ضربة قوية للبنية التنظيمية والسياسية لحزب التجمع الوطني للأحرار، وساهم في تسريع وتيرة التفكك الداخلي وفقدان التوازن بين الأجنحة، وهو ما انعكس سلباً على صورة الحزب لدى الرأي العام.
ويرى مراقبون أن تراجع نفوذ أخنوش لن يكون سياسياً فقط، بل قد يمتد أيضاً إلى حضوره الاقتصادي، بعدما تآكلت صورته كرجل أعمال ناجح بفعل تداخل المال بالسياسة وتداعيات المرحلة الحكومية الأخيرة. وهو ما جعل اسمه يفقد جزءاً من البريق الذي راكمه لسنوات داخل عالم الأعمال. وفي هذا السياق، يُتوقع أن يختار أخنوش التقاعد بهدوء خارج دائرة التأثير، في إحدى الجزر السياحية التي يفضلها، مبتعداً عن صخب السياسة وضغوطها، على عكس عبد الإله بنكيران الذي اختار البقاء في الواجهة، معيشاً السياسة عبر منصات “يوتيوب” والظهور الإعلامي المتواصل، حيث تحولت الخطابات إلى بديل عن الفعل السياسي والمؤسساتي.
