شريط الاخبار
ONMT

من رنين الطفولة…عطر الأيام في أزقة سلا

بقلم: محمد إيمان

كلما عدت بذاكرتي إلى سلا في الماضي، اكتشفت أن الأزقة لم تكن صامتة كما يظن الكثير، بل كانت تحفظ في مسامّها ما عجزتُ عن الاحتفاظ به أنا. كانت المحروسة، مثل البشر، لها عطرها الخاص؛ عطرٌ لم يُشترَ ولم يُصنع، بل تكوّن من عرق الأيام، ومن مجهود العمال، ومن أنفاس الناس وهم يمرّون على مهل بين البيوت والأسواق، ومن عبق تاريخ عظيم وحضارة سكنت القلوب والوجدان.

وسلا لم تُرى فقط، بل كانت تُشمّ. ومن لم يشمّها، لم يعرفها حقّ المعرفة، ولم يشعر بها كما شعرتُ أنا، حين كانت كل رائحة تُخبرني بحكاية، وكل زقاق يحمل سرّ يوم مضى.

مع أولى ساعات الصباح، كانت الأزقة تستيقظ على رائحة الفاخر المشتعلة في قلب مجمر تادقة. كانت أمهاتنا يضعن فوقه إبريق القهوة، فتفوح رائحته المعطّرة ممزوجة بدفء الرماد، بينما تمتدّ الأيادي بهدوء إلى قصعة العجين. شيئًا فشيئًا، يبدأ رغيف الصباح في التكوّن، وتنساب رائحة العجين الدافئة عبر الأزقة، تتسلّل إلى أنوفنا وتوقظنا من أعماق النوم، كأن المدينة نفسها توقظ أبناءها برفق.

كان النهار في سلا يبدأ هكذا: خبز الدار يُحضَّر على مهل، ثم يُحمَل على “الوصل” إلى فران الحومة. وما إن يشرع الفرّان في إدخاله إلى جوف الفرن حتى يعمّ المكان عطر العجين وهو يتحوّل تحت لهب الحطب إلى خبز لذيذ. رائحة دافئة تشبه صحو البيوت، وكأن المدينة كلّها تفتح عينيها على دفء يومٍ جديد، وتعلن ببساطة أن الحياة بدأت من جديد. ولا أنسى رائحة الزميتة السلاوية عند مطحنة با الشرقي؛ وفي رحبة الزرع ومطحنة بندحمان، كانت رائحة الدقيق والنخالة تتصاعد في الهواء كغبارٍ أبيض يرقص في خيوط الشمس، فتشعر أن المدينة كلها رغيفٌ كبيرٌ في طريقه إلى النضج.

وكانت هناك أيضًا رائحةٌ أخرى، لا تقل دفئًا: رائحة مأكولات أمهاتنا وهي تُطهى في البيوت القديمة. عبق الطاجين وهو يغلي على مهل، ورائحة الكسكس حين يتصاعد بخاره مع الخضر واللحم والسمن البلدي، وعطر السفوف والشباكية في ايام الاستعداد لسيدنا رمضان. كانت روائح مطابخ خفية، لكنها تسكن الأزقة، وتعلن أن في كل بيت حكاية حب تُطهى على نار هادئة.

أذكر رائحة نبتة السمار في الشراطين وسوق الغزل وبورمادة والخمييس وزناتة، حين كانت سيقانها اليابسة تتحوّل بين أيدي الصناع إلى حصيرٍ يفترش البيوت ويحتضن الجلسات. كانت رائحةً ترابيةً دافئة، مزيجًا من طينٍ وشمسٍ وصبر. لم تكن مجرد نباتٍ يُقطع ويُجدل، بل كانت ذاكرة أرضٍ كاملة تُنسج خيوطًا، وكأن المدينة تفرد ظلّها على بيوت أهلها. تلك الرائحة كانت تعلن أن هنا رجالًا يحوّلون الهشاشة إلى متانة، ويصنعون من البساطة جمالًا يليق بالحياة.

ثم تأخذك الريح إلى ديور الدبغ، قرب المكان الذي ستقوم فيه لاحقًا سينما الملكي، قبل أن تنتقل إلى باب الخميس وسيدي يدر والسويقة، حيث رائحة البطانة والجلود وهي تُغسل وتُدبغ وتُقلب تحت الشمس. كانت رائحة قوية، نافذة، لا تخطئها الأنوف، لكنها كانت تحمل في عمقها سرّ التحوّل؛ جلدٌ يخرج من طورٍ إلى طور، من مادةٍ خام إلى شيءٍ قابلٍ للخلود في هيئة حذاءٍ أو سرجٍ أو محفظة. هناك، كانت الرائحة درسًا في الصبر، وفي أن القسوة يمكن أن تُروَّض، وأن ما يُؤلم الأنف لحظةً، قد يصنع جمالًا يدوم سنين.

وفي زنقة الخرازين، كانت رائحة الكولة والجلود تُعلن عن نفسها قبل أن ترى الدكاكين. رائحةٌ مشبعةٌ بالعمل، كأنها بخار تعبٍ يتصاعد من الأيادي الخشنة. وعلى مقربةٍ منها، في حي النجّارين، كان الخشب يتنفّس؛ رائحته طازجة حيّة، تُذكّر بأصل الشجرة قبل أن تتحوّل بابًا أو نافذةً أو سقفًا يظلّل بيتًا عتيقًا، أو قطعةً من أثاثٍ منزلي. كانت تلك الرائحة تقول إن المدينة تُبنى من شجرٍ وعرقٍ وحلم.

وفي الخضارين وما جاورها، كانت رائحة النعناع والقزبر والمعدنوس تفوح من السلال، عطرٌ أخضر طازج يختلط بنداء الباعة، فيذكّرك بأن الأرض قريبة، وأن اليد التي زرعت ما زالت تحمل أثر التراب. أما سوق الكبير، كانت العطرية عالمًا آخر؛ مسكٌ وعنبر، قرنفلٌ وسكنجبير، أعشابٌ مجففةٌ تختلط ألوانها بروائحها، حتى يبدو السوق صندوقًا مفتوحًا من العطور الشرقية. هناك، كانت سلا تتزيّن، وتفوح بأنوثةٍ خفية، كأنها عروسٌ تُعدّ نفسها لكل صباح.

ومن المساجد والزوايا والأضرحة كانت تنبعث رائحة ماء الزهر والبخور. عطرٌ روحاني يخرج مع خطوات المصلّين، ويتسلّل إلى الأزقة القريبة، كأن المدينة تتطهّر كل يوم بنفحات من الطمأنينة. عند الأبواب العتيقة للمساجد، وعند أضرحة الأولياء، كان ذلك العطر يذكّر بأن لسلا قلبًا خاشعًا يخفق بين جدرانها.

أما واد أبي رقراق، فله رائحته الخاصة حين تركب الفلايك وتعبر بين الضفتين؛ رائحة ماءٍ يحمل شيئًا من عذوبة النهر وشيئًا من ملح البحر، كأنه حدٌّ فاصلٌ بين زمنين. وإذا جلست في رياحات سيدي بنعاشر، باغتك عطر البحر؛ ملحٌ ورياح، وامتدادٌ أزرق يملأ الصدر بسكينةٍ لا تُشبهها سكينة.

حتى مقاهي الحصير كان لها عبيرها الخاص؛ رائحة الكيف تتعانق مع دخان السمر الطويل ورائحة كؤوس الشاي الملقم، وحكايات الرجال تتصاعد كما يتصاعد الدخان، بطيئةً، ملتفّةً، لا تريد أن تنتهي. وفي الحدادين، كان الحديد ينسهر تحت المطرقة، تُذكّر رائحته بأن المدينة لا تنام؛ شررٌ يتطاير، وصوتٌ إيقاعيٌّ كنبض قديم، كأن سلا تشكّل نفسها من جديد كل ليلة. أما في سيدي يدر، فكانت رائحة الشمع تتصاعد من معمل الشمع، تمتزج بضوء خافت مع رائحة لمبة الغاز التي كانت تنير البيوت. ورائحة الصابون القادمة من فندق الصابون بالسوق الكبير، ورائحة القصب عند القصابة في باب سبتة، قبل أن ينتقلوا بالقرب من باب الخميس ثم منطقة الخمييس….وغيرها من الروائح المميزة، التي كانت تنتشر في كل حومة وزنقة ودرب وسوق، كانت كافية، لو أغمضت عينيك، لتعرف بالضبط المكان الذي تقف فيه، فقط من خلال رائحته.

وحتى ضواحي سلا لم تكن أقلَّ سخاءً في عطائها من المدينة نفسها؛ فهناك أيضًا كانت الروائح تنبعث بهدوء، كأنها أنفاس الأرض وهي تستريح تحت السماء. كانت تأتي من السواني والبساتين، ومن الأتربة الدافئة للأراضي الفلاحية، ومن ظلال الأشجار الوارفة، ومن الخضرة التي تمتد على مرمى البصر. كانت روائح التراب المبتلّ بندى الصباح، ورائحة الأعشاب البرية حين تزهر في صمت، تمتزج بنسمات البحر القريبة، فتخلق عطرًا طبيعيًا لا يعرفه إلا من سار في تلك الدروب.

وفي الربيع خصوصًا، كانت الأراضي غير الفلاحية المنتشرة في سيدي بنعاشر، وبالقرب من قصبة كناوة، وسيدي موسى والبقولة واللولجة…وغيرهن من الساحات الفارغة، تتحوّل إلى بساطٍ من الأزهار البرية؛ ألوانٌ متفرقة وروائح خفيفة تتسلّل مع النسيم، كأن الأرض قررت أن تتزيّن من تلقاء نفسها. هناك كانت الطبيعة ترسم لوحتها المزركشة بلا يدٍ بشرية، لوحةً من صنع الخالق، تتداخل فيها رائحة التراب مع عطر الزهر، وظلال الأشجار مع زرقة السماء، حتى يشعر العابر أن المدينة لا تنتهي عند أسوارها، بل تمتد روحها في تلك الفضاءات الرحبة.

لهذا أقول إن سلا ليست جدرانًا وأبوابًا فقط، بل هي طبقاتٌ من الروائح المتعاقبة؛ إذا زالت، زال معها شيءٌ من الروح. المدينة التي تفقد رائحتها، تفقد سرّها. أما سلا، فما دامت تفوح بكل هذا التاريخ، فهي باقيةٌ في الأنف كما في القلب؛ تُستعاد بنسمة، وتعود كاملةً، كأنها لم تغب يومًا.

شارك المقال شارك غرد إرسال