تنطلق قمة مجموعة “بريكس” 2025 في ريو دي جانيرو، بمشاركة 20 دولة عضوة وشريكة، وسط توترات جيوسياسية وتحديات اقتصادية عالمية غير مسبوقة. وتُعقد القمة تحت شعار “تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي لحوكمة أكثر شمولاً واستدامة”، في محاولة لتعزيز الدور القيادي لدول الجنوب في النظام العالمي، رغم الانقسامات والخلافات بين الأعضاء، وغياب أبرز زعيمين في التكتل: فلاديمير بوتين وشي جين بينغ.
تعاني “بريكس” من انقسامات عميقة بشأن توسيع العضوية، حيث تختلف الآراء بين مؤيدين لتعزيز القوة السياسية والاقتصادية، ومعارضين يخشون تآكل فعالية المجموعة. النزاعات الثنائية، مثل التوتر الحدودي بين الصين والهند، وخلاف مصر وإثيوبيا بشأن “سد النهضة”، تزيد من صعوبة التوصل إلى إجماع داخلي، خاصة في ظل غياب هيكل مؤسسي دائم للمجموعة.
تناقش القمة عدة ملفات شائكة، أبرزها الحرب في أوكرانيا، وتصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، خاصة الحرب الإسرائيلية على غزة، والنزاع بين إسرائيل وإيران. كما تشمل أجندة القمة إصلاح مجلس الأمن الدولي، وهو ملف يواجه عقبات كبيرة نتيجة الخلافات الإفريقية بشأن الممثل الدائم للقارة. واتُفق مؤقتاً على دعم البرازيل والهند، مع تأجيل حسم الممثل الإفريقي.
تُعقد القمة في ظل تصعيد من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي حذر من استحداث عملة بديلة للدولار وهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على دول “بريكس” إذا خالفت التوجه الأمريكي. وفي هذا السياق، نفت جنوب إفريقيا نية إصدار “عملة بريكس”، مؤكدة التزامها بالتعامل الواقعي مع النظام المالي العالمي، رغم الجهود الجارية لتعزيز التجارة بالعملات المحلية.
تشمل أجندة القمة محاور طموحة للتعاون بين دول “بريكس”، في مقدمتها إطلاق شراكات في الصحة العامة، وتعزيز الاكتفاء الدوائي، وتوسيع التعاون في التمويل المناخي والذكاء الاصطناعي، وتطوير بنية اقتصادية مستقلة عن هيمنة الغرب. كما تبحث القمة دعم خطط التنمية المستدامة، وإعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي بما يخدم مصالح الدول النامية.
تُعد قمة 2025 الأكبر من نوعها منذ تأسيس “بريكس”، مع مشاركة دول جديدة مثل إندونيسيا، وإيران، والإمارات، ومصر، وإثيوبيا، إلى جانب 10 دول شريكة. هذه المشاركة الواسعة تضيف زخماً دبلوماسياً، لكنها تطرح أيضاً تحديات تتعلق بتوحيد الرؤى، وتحديد الأهداف، خاصة مع وجود دول ذات علاقات متباينة مع الغرب مثل الهند والبرازيل من جهة، وروسيا وإيران من جهة أخرى.
غياب بوتين وشي عن القمة يحمل دلالات سياسية، أبرزها التوتر بين التزاماتهم الدولية والضغوط الغربية. بوتين سيشارك عبر الفيديو في ظل مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، فيما اعتذرت بكين عن حضور شي بسبب “تضارب المواعيد”. تمثيل الصين وروسيا على مستوى الوزراء لا يلغي أهمية القمة، لكنه يعكس حجم التحديات التي تواجه المجموعة في سبيل بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.
قمة بريكس 2025 ليست مجرد اجتماع سنوي، بل لحظة فارقة في صراع النفوذ العالمي، حيث تتنافس القوى الناشئة مع المؤسسات الغربية على رسم خريطة المستقبل. توسع العضوية، الخلافات الداخلية، والتهديدات الخارجية، كلها عناصر تُختبر من خلالها قدرة “بريكس” على قيادة مرحلة جديدة في النظام الدولي.
