أكد محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أن المرحلة السياسية المقبلة تقتضي التحلي بالمسؤولية والوضوح، سواء على مستوى تدبير الشأن الحزبي أو الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مشددا على أن الحسم في مستقبل البلاد ينبغي أن يمر عبر الاختيار الديمقراطي للمغاربة وصناديق الاقتراع.

وأوضح شوكي، خلال حلوله ضيفا على مؤسسة الفقيه التطواني بالرباط، أن النقاش السياسي لا ينبغي أن يختزل في هوية الحزب الذي سيتصدر الانتخابات أو طبيعة التحالفات المقبلة، وإنما يجب أن ينصب أساسا على المشاريع والبرامج والتعاقدات التي ستقدمها الأحزاب للمواطنين.
وفي حديثه عن الأغلبية الحكومية، عبر رئيس التجمع الوطني للأحرار عن اعتزازه بالتجربة التي جمعت حزبه بحزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، واصفا الحليفين بـ”المثاليين”، ومؤكدا أن الأغلبية الحكومية اشتغلت خلال الولاية الحالية بمنطق الانسجام والتضامن والفعالية تحت إشراف رئيس الحكومة.
وقال شوكي إن هذه التجربة أسهمت في تحقيق عدد من المكتسبات التي تهم المغاربة في قطاعات مختلفة، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن الحكومة لا تدعي تحقيق الكمال، وأن بعض الإجراءات لم تنفذ بالشكل المأمول بسبب ضيق الوقت أو بعض الإكراهات والعقبات، أو نتيجة اختيارات تدبيرية لم تحقق النتائج المنتظرة.
وبخصوص إمكانية استمرار التحالف الحكومي الحالي، لم يستبعد شوكي إمكانية تجدد التجربة مستقبلا، لكنه شدد على ضرورة عدم استباق الأحداث أو الدخول في حسابات سياسية قبل أوانها، مؤكدا أن التحالفات السياسية تحكمها ضوابط ومساطر واضحة، وأن الحسم فيها ينبغي أن يتم وفق النتائج التي ستفرزها الانتخابات والمؤسسات المعنية.
وفي هذا السياق، أكد احترامه الكامل لحليفي الحزب، الأصالة والمعاصرة والاستقلال، ولجميع مكونات الساحة السياسية الوطنية، معتبرا أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على جوهر التنافس الديمقراطي، المتمثل في البرامج والمشاريع التي ستعرض أمام الناخبين.
الحصيلة الحكومية في مواجهة الانتقادات
ودافع شوكي عن حصيلة الحكومة، معتبرا أن تقييم العمل الحكومي يجب أن يستند إلى الوقائع الملموسة وأثر السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين، وليس فقط إلى الخطاب السياسي.
وأشار إلى مجموعة من الأوراش التي اعتبرها ذات أثر مباشر، من بينها تعميم التغطية الصحية، وتوسيع الدعم الاجتماعي المباشر، وتنزيل ميثاق الاستثمار، وتعزيز البنيات التحتية الصحية، ورفع أجور عدد من فئات الموظفين، فضلا عن التدابير المتخذة لمواجهة ارتفاع الأسعار.
وأوضح أن الدعم الاجتماعي المباشر أصبح يصل إلى ملايين الأسر، معتبرا أن أثره لا يقتصر على الأسر المستفيدة، وإنما يمتد إلى الأسواق المحلية والدورة الاقتصادية، خصوصا في العالم القروي.
كما توقف عند الإصلاحات التي عرفها القطاع الصحي، من خلال تأهيل عدد من مراكز القرب وتطوير البنيات الاستشفائية، إلى جانب الزيادات في أجور الأساتذة والموظفين، التي قال إنها انعكست بشكل مباشر على الدخل والقدرة الشرائية.
وفي المقابل، أقر رئيس التجمع الوطني للأحرار باستمرار تحدي غلاء المعيشة، مؤكدا أن المواطن المغربي لا يزال يشعر بضغط كلفة الحياة، وأن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، رغم أهميتها، تحتاج إلى مزيد من التعزيز.
وربط شوكي جزءا من موجة الغلاء بعوامل خارجية وباستيراد التضخم، مشيرا إلى أن الحكومة اتخذت مجموعة من التدابير بهدف التخفيف من انعكاساته، من بينها دعم مهنيي النقل والحفاظ على استقرار كلفة بعض المواد الطاقية وخفض الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لعدد من المواد الأساسية.
كما أبرز أن دعم الفلاحين والكسابة لا يقتصر أثره على المستفيدين المباشرين، وإنما يساهم في تنشيط الاستهلاك والدورة الاقتصادية بالمناطق القروية، فيما ساهمت جاذبية المغرب للاستثمار وارتفاع وتيرة المشاريع الجديدة، بحسبه، في تعزيز الدينامية الاقتصادية وخلق فرص للشغل.
برنامج انتخابي ثمرة خمس سنوات من الإنصات
وفي ما يتعلق بالاستحقاقات المقبلة، أكد شوكي أن برنامج التجمع الوطني للأحرار لم يكن وليد اقتراب موعد الانتخابات، بل جاء نتيجة لمسار من الإنصات امتد على مدى خمس سنوات، تفاعل خلاله الحزب مع انتظارات المواطنين وملاحظاتهم بشأن الأولويات التي ينبغي الاشتغال عليها خلال المرحلة المقبلة.
وشدد على أن الحزب يدخل المرحلة الانتخابية بثقة في الكفاءات التي يتوفر عليها وبجاهزية تنظيمية وسياسية قال إنها لم تبدأ مع اقتراب الانتخابات، بل تمتد إلى سنوات من العمل الميداني والتنظيمي.
واعتبر أن مرشحي الحزب لا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم مجرد أسماء أو أرقام انتخابية، وإنما باعتبارهم حاملي مشروع سياسي، مطالبين بالتمكن من الحصيلة الحكومية والبرنامج الانتخابي، والقدرة على شرحه للمواطنين والمساهمة في تنزيله من خلال التشريعات والسياسات العمومية.
وأكد شوكي أن الحزب كان أول من قدم، بحسب وصفه، برنامجا متكاملا وواضحا وقابلا للتنفيذ، معتبرا أن تقديم البرامج واختيار مرشحين قادرين على حملها وتنفيذها يمثل جوهر المسؤولية السياسية.
شوكي يدافع عن تنظيم الحزب بعد الاستقالات
وبشأن الاستقالات التي عرفها الحزب، والتي وصفتها بعض وسائل الإعلام بـ”سيل الاستقالات”، قلل رئيس التجمع الوطني للأحرار من دلالاتها، مؤكدا أن الحزب يظل مؤسسة سياسية مسؤولة ومنظمة، وأن التعامل مع مثل هذه التطورات يتم بمنطق الحكمة والوعي السياسي، بعيدا عن القراءات التي تحاول تقديمها باعتبارها “زلزالا” سياسيا.
كما أشاد بالمناضلين الذين لم يحصلوا على التزكية لخوض الانتخابات، معتبرا أن استمرارهم في العمل داخل الحزب رغم عدم اختيارهم للترشح يعكس، في نظره، وعيا سياسيا بأهمية المرحلة وانخراطا في المشروع المجتمعي للحزب.
وفي المقابل، أقر بحق من لم يحصل على التزكية في مواصلة مساره السياسي عبر أحزاب أخرى، معتبرا أن اختلاف الاختيارات والتموقعات أمر طبيعي في الحياة السياسية، وأن الأهم هو احترام قواعد التنافس الديمقراطي.
إصلاح التقاعد يحتاج إلى معالجة من الأساس
وفي ما يتعلق بإصلاح أنظمة التقاعد، وضع شوكي هذا الملف ضمن الأوراش الاجتماعية الكبرى التي تتطلب معالجة تقنية متأنية وشاملة، بما يضمن استدامة الصناديق ويحافظ على حقوق المستفيدين.
وأوضح أن الملف ظل حاضرا ضمن أجندة الحكومة، غير أن التحولات التي عرفتها الوضعية المالية للصناديق استدعت مواصلة الاشتغال داخل اللجان التقنية وتعميق دراسة مختلف السيناريوهات، بهدف الوصول إلى إصلاح متوازن ومتكامل.
وأشار إلى أن الزيادات في أجور موظفي القطاع العام ساهمت في الرفع من حجم المساهمات وتحسين أفق الصندوق المغربي للتقاعد، معتبرا أن هذه المستجدات وفرت هامشا إضافيا للاشتغال بشكل معمق على النموذج الأنسب للإصلاح.
وشدد على أن الهدف لا ينبغي أن يكون إخراج إصلاح جزئي أو الاقتصار على معالجة التوازنات المالية والاكتوارية، وإنما بناء تصور يأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب ويضمن استدامة منظومة التقاعد على المدى البعيد.
ونفى شوكي أن يكون تأخر الحسم في إصلاح التقاعد مرتبطا بحسابات انتخابية، مؤكدا أن الملف يحتاج إلى معالجة “من الأساس” من أجل تقديم إصلاح متماسك وفي مستوى انتظارات المغاربة.
المواطن هو الفيصل
وختم رئيس التجمع الوطني للأحرار بالتأكيد على أن الحزب يدخل المرحلة المقبلة من موقع المسؤولية، مستندا إلى حصيلة حكومية يعتز بأثرها، ومسار من القرب والإنصات للمواطنين، وبرنامج يستشرف المستقبل.
وأكد أن المغاربة سيظلون الفيصل في تقييم ما تحقق واختيار المشروع السياسي الذي يرونه الأنسب، مشددا على أن الحكم النهائي على الحصيلة الحكومية والعروض الانتخابية للأحزاب سيكون عبر صناديق الاقتراع، وليس من خلال الاستباق أو التوقعات السياسية



