شهدت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً تداولاً واسعاً لتسجيل صوتي مسرب، يوثق لمحادثة جمعت بين المهدي حيجاوي وهشام جيراندو، الفارين معا من العدالة. وبقراءة متأنية لفحوى هذا الشريط، يتجلى للمتابع حجم التناقض الصارخ والهوة السحيقة بين “البروفايل” الذي جاهد المهدي حيجاوي في تسويقه لنفسه على مدار سنوات، وبين حقيقته الارتجالية العاجزة التي ظهر بها.
فالرجل الذي طالما قدّم نفسه بصفة الفاعل الاستثنائي الذي يمسك بخيوط ملفات حارقة وأسرار سيادية كبرى، بدا في هذا الحوار المباشر عاجزاً، متردداً، ومسرفا في حسابات ضيقة محكومة بالضبابية وبالانتظار السلبي.
ومن الملامح الدالة في هذا التسجيل، أن غضب حيجاوي من جيراندو لم يكن بدافع غيرة وطنية أو دفاعاً عن مؤسسات الدولة المغربية، بل نبع من اعتبارات ذاتية صرفة، احتجاجاً على نشر مواد تخصه دون إذن مسبق. وفي هذا الإصرار على فرض الرقابة القبلية تجلٍّ واضح لرغبته الهوسية في التحكم بالرواية والسردية الموجهة للرأي العام وتوجيهها لخدمة أجندته الشخصية المجبولة على الانتقام.
بيد أن الاعتراف الأكثر إثارة للدهشة، هو إقرار حيجاوي الضمني بافتقاره لآليات المواجهة الحقيقية. هذا الاعتراف كفيل بهدم سنوات من التهويل الإعلامي الذي حاول تصويره كـ”رقم صعب” أو كمهدد محتمل لاستقرار المملكة المغربية، إذ كيف لفاعل يقر بعجزه البنيوي عن خوض المعركة أن يكون بالوزن الذي أدبج مريدوه المقالات لإثبات قوته المزعومة؟
وفي مفارقة تدعو للتهكم والازدراء، عاد الرجل الذي لوّح مراراً بمخططات إستراتيجية وتحركات وشيكة، ليتدثر بعبارات فضفاضة من قبيل انتظار “اللحظة المناسبة”، واصفاً تكتيكه بـ”طريقة الطرز الفاسي” (العمل الهادئ والدقيق)، في محاولة بائسة لتبرير حالة الجمود عبر شماعة “الظروف الدولية”؛ وهي ذريعة تُصنف في خانة الهروب إلى الأمام ومحاولة لتسويغ الفشل لا غير.
ولا يمكن فصل هذا التسجيل عن سياق المعطيات والتحقيقات الجارية، والتي بدأت خيوطها تتكشف تباعاً لتؤكد طبيعة الروابط المشبوهة التي جمعت هشام جيراندو بالمهدي حيجاوي خلال الآونة الأخيرة. ولعل الضربة القاضية لهذه السردية المتهافتة جاءت من داخل البيت نفسه، عبر التصريحات الإعلامية لنجله، يزيد حيجاوي، والتي شكلت هدمًا حقيقيًا للمظلومية والبطولة الوهمية التي حاول والده بناءها وبيعها في الخارج.
لقد راهن المهدي حيجاوي على صناعة “هالة افتراضية” وتضخيم الذات لتقديم نفسه كمستودع لأسرار الدولة، غير أن الواقعية السياسية والأمنية كشفت أنه مجرد صدى لظاهرة صوتية، تحولت رواياتها مع الوقت إلى مادة خام تستغلها الجهات المعادية للمغرب في حملات التشويش الممنهجة وحروب الجيل الخامس الهجينة.
وفي المقابل، أكدت المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية، عبر عقود من الممارسة الاحترافية على أرض الميدان، أن العقيدة السيادية للدولة لا تقتات على الضجيج الإعلامي أو البطولات الوهمية، بل تتأسس على النجاعة، والكفاءة الصامتة، وحماية المصالح العليا للوطن؛ وهي الركائز التي جعلتها عصية على كل محاولات الابتزاز والتشويه.
إن هذا التسجيل المسرب لم يأتِ ليعلن قوة حيجاوي، بل جاء ليرسم بدقة حدودها الضيقة، معجلاً بانهيار أسطورة من ورق.
وحينما تنبثق آلية الهدم من أقرب الأقربين، وتتحول الاعترافات الذاتية إلى صك إدانة يفوق في قوته حجج الخصوم، فإن نهاية الوهم تصبح تحصيل حاصل. وفي المحصلة، تظل الحقائق الصلبة أقوى من آلات التضليل، ويبقى المغرب بمؤسساته وتاريخه أكبر من الأوهام العابرة، بينما يسقط المراهنون على الزيف تِباعاً تحت وطأة الوقائع التي لا ترحم




