تُقدِّم الجزائر، في خطابها الرسمي وسلوكها الدبلوماسي المعلن، نفسها بوصفها دولةً ترتكز سياستها الخارجية على مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير باعتباره أحد المبادئ المؤسسة للنظام الدولي المعاصر. غير أنّ تحليل الممارسة الفعلية لهذا الخطاب، من خلال دراسة حالات محددة، يكشف عن فجوة واضحة بين المستوى الخطابي والمستوى التطبيقي، بما يعكس نمطًا من ازدواجية المعايير يخضع في جوهره لمنطق الواقعية السياسية أكثر مما يستند إلى التزام مبدئي ثابت.
تُعدّ قضية جمهورية كوسوفو نموذجًا إشكاليًا يبرز هذا التناقض. فقد كانت كوسوفو إقليمًا يتمتع بوضع قانوني خاص داخل جمهورية صربيا ضمن يوغوسلافيا السابقة، وتكوّن غالبية سكانه من الألبان المسلمين. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1998 و1999، تعرّض هذا الإقليم لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت سياسات تطهير عرقي وتهجير قسري وقتلًا جماعيًا بحق المدنيين، وهي انتهاكات موثّقة في تقارير منظمات دولية وأممية. وفي أعقاب فشل الحلول السياسية الداخلية، وتحت ضغط التدخل الدولي، أعلنت كوسوفو استقلالها سنة 2008، وهو إعلان حظي باعتراف واسع تجاوز المئة دولة، بما في ذلك عدد من القوى الغربية الفاعلة في النظام الدولي.
ورغم هذا السياق التاريخي والقانوني والإنساني، ترفض الجزائر الاعتراف بكوسوفو، مستندةً ضمنيًا إلى تأويل صارم لمفهوم الشرعية الدولية المرتبط بعضوية الأمم المتحدة وسيادة الدولة الأم. غير أنّ هذا الموقف يثير إشكالية نظرية، إذ إن الشرعية الدولية نفسها ليست مفهومًا جامدًا، بل تخضع لتوازنات القوى الدولية ولتفسيرات متباينة، كما يظهر في حالات متعددة حظيت بالاعتراف الدولي رغم غياب الإجماع الأممي. وعليه، فإن التمسك الانتقائي بهذا التأويل يعكس توظيفًا سياسيًا للشرعية الدولية أكثر مما يعكس دفاعًا مبدئيًا عنها.
ويتعزز هذا الاستنتاج عند مقارنة موقف الجزائر من كوسوفو بموقفها من قضية تايوان. فرغم أن تايوان تمثل كيانًا سياسيًا فعليًا يتمتع بمقومات الدولة من حيث الإقليم والسكان والمؤسسات والقدرة على إدارة الشؤون الداخلية والخارجية، تصر الجزائر على اعتبارها جزءًا لا يتجزأ من جمهورية الصين الشعبية، التزامًا بمبدأ “الصين الواحدة”. ويأتي هذا الموقف منسجمًا مع طبيعة التحالفات الاستراتيجية الجزائرية، ولا سيما مع الصين، بما يبرز بوضوح أولوية الاعتبارات الجيوسياسية على حساب أي مقاربة قائمة على حق تقرير المصير أو الإرادة الشعبية.
إن هذا التباين في المواقف يوضح أن الجزائر لا تتعامل مع مبدأ تقرير المصير بوصفه قاعدة قانونية وأخلاقية عامة، بل باعتباره أداة مرنة قابلة للتفعيل أو التعطيل وفقًا للسياق السياسي. فعندما يتقاطع هذا المبدأ مع مصالحها الإقليمية أو استراتيجياتها الجيوسياسية، يتم تضخيمه وتقديمه باعتباره حقًا غير قابل للنقاش، بينما يتم تهميشه أو إعادة تأويله عندما يتعارض مع مصالح حلفاء أقوياء داخل النظام الدولي.
وعليه، يمكن القول إن السياسة الجزائرية في هذا المجال تعكس نموذجًا كلاسيكيًا لما تصفه أدبيات العلاقات الدولية بـ تسييس المبادئ، حيث تُستخدم القيم القانونية والأخلاقية كأدوات ضمن صراع النفوذ بين الدول، لا كمعايير ثابتة تحكم السلوك الدولي. ويؤدي هذا النهج، في المدى المتوسط والبعيد، إلى تقويض مصداقية الخطاب الدبلوماسي الجزائري، ويضعف ادعاءاته بالالتزام الكوني بحقوق الشعوب، لصالح قراءة براغماتية تحكمها منطق المحاور والتحالفات أكثر من منطق القانون الدولي والمعايير الأخلاقية المعلنة.














