Journal24
شريط الاخبار

الترحال السياسي في موسم التزكيات… حين تُغتال الديمقراطية خلف أسوار الأحزاب

Journal24

 

Journal24

 

 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، عاد الترحال الحزبي إلى واجهة المشهد السياسي بوتيرة غير مسبوقة. فمنذ شهر ماي الأخير، انطلقت سباقات محمومة نحو التزكيات، وتحولت الأحزاب إلى قبلة لعدد من المنتخبين والأعيان الباحثين عن أفضل موقع انتخابي، في مشهد يتكرر مع كل استحقاق ويطرح أسئلة مقلقة حول حقيقة الانتماء الحزبي، ومصداقية الفعل السياسي، ومستقبل الديمقراطية الحزبية في المغرب.

 

ففي ظرف أسابيع قليلة، شهدت الساحة السياسية انتقال رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، الخطاط ينجا، من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة لم تكن فردية، بل رافقها عدد من البرلمانيين والمنتخبين الذين كانوا يشكلون ثقلا انتخابيا داخل حزب “الميزان” بالمنطقة. وهو انتقال يثير، فضلا عن أبعاده السياسية، إشكالا قانونيا بالنظر إلى مقتضيات المادة 54 من القانون التنظيمي للجهات، التي تمنع المنتخب من التخلي عن الحزب الذي ترشح باسمه خلال مدة الانتداب تحت طائلة التجريد من العضوية.

 

وقبل ذلك، قدم البرلماني عبد الحق شفيق استقالته من مجلس النواب بعد مغادرته حزب الحركة الشعبية، ثم أعلن التحاقه بحزب الاستقلال، قبل أن يفاجئ الرأي العام مجددا بترشيحه وكيلا للائحة حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة عين الشق في الدار البيضاء. كما غادرت زينب السيمو حزب التجمع الوطني للأحرار لتقود لائحة “البام” بالعرائش، في سياق يعكس استمرار تأثير الأعيان والعائلات الانتخابية بغض النظر عن اللون الحزبي الذي يخوضون باسمه الاستحقاقات.

 

هذه الوقائع ليست سوى نماذج لظاهرة تتكرر مع كل موعد انتخابي، حيث يتحول بعض “صقور الانتخابات” إلى باحثين عن “أفضل” التزكيات، متنقلين بين الأحزاب وفق ما تتيحه من فرص للفوز، أكثر مما تمليه القناعات السياسية أو المرجعيات الفكرية. وهو ما يجعل الناخب يتساءل، بحق، عما إذا كانت البرامج السياسية ما تزال هي أساس التنافس، أم أن الأمر أصبح مجرد سباق نحو المقاعد.

 

غير أن اختزال الظاهرة في انتهازية بعض السياسيين سيكون قراءة ناقصة. فالمسؤولية لا تقع على “الرحّل” وحدهم، بل تمتد إلى الأحزاب نفسها، التي تتحمل قسطا كبيرا من هذا الواقع. فكثير منها لا ينشط إلا مع اقتراب الانتخابات، ويجعل من استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ الانتخابي أولوية تتقدم على تكوين المناضلين وتأطيرهم، بل ويمنح التزكيات أحيانا لمن يلتحق بالحزب في آخر لحظة، بينما يجد مناضلون أفنوا سنوات في خدمة تنظيماتهم أنفسهم خارج دائرة القرار.

 

وفي مجال الديمقراطية الداخلية، نلاحظ أن وضع الأحزاب السياسية بالأمس هو وضعها اليوم، حيث إن هناك رؤساء أحزاب يعملون على تغيير قوانينهم الأساسية حتى تتماشى مع لعبة التمديد لسنوات طويلة على الكرسي، وكأن من لا يعجبه هذا المسار لا يملك سوى الاصطدام بالحائط. إن استمرار مثل هذه الممارسات يضعف الثقة في المؤسسات الحزبية، ويجعل الحديث عن الديمقراطية الداخلية مجرد شعار لا ينسجم دائما مع الواقع التنظيمي.

 

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فلا يعقل أن يطالب حزب الدولة باحترام الديمقراطية، وهو لا يحترمها داخل مؤسساته. ولا يستقيم أن يدعو إلى الشفافية وتكافؤ الفرص في تدبير الشأن العام، بينما تغيب هذه المبادئ عند توزيع المسؤوليات والتزكيات داخله. فالديمقراطية ليست شعارا انتخابيا يرفع في الحملات، بل هي ممارسة يومية تبدأ من داخل الحزب نفسه، عبر احترام المؤسسات، والاحتكام إلى القواعد، وضمان المنافسة النزيهة بين المناضلين.

 

إن اغتيال الديمقراطية داخل الأحزاب هو أحد أهم الأسباب التي تدفع بعض الكفاءات والمناضلين إلى مغادرة تنظيماتهم بحثا عن فضاءات تتيح لهم فرصا أكبر للتموقع، أو على الأقل تمنحهم الحد الأدنى من الممارسة الديمقراطية التي افتقدوها داخل أحزابهم الأصلية. كما أنه أحد أبرز أسباب العزوف عن العمل الحزبي والفعل السياسي، خاصة لدى الشباب، الذين يفقدون الثقة عندما يلاحظون أن معيار القرب من مراكز القرار يتقدم على معيار الكفاءة والنضال والاستحقاق.

 

ولا يعني ذلك تبرئة كل من يغير انتماءه الحزبي، فهناك من لا تحركه سوى الحسابات الانتخابية والمصالح الشخصية الضيقة. لكن معالجة الظاهرة لا تكون فقط بالتنديد بالترحال أو بتشديد القيود القانونية عليه، وإنما أيضا بإصلاح البيئة التي تنتجه. فالأحزاب التي تغيب فيها الديمقراطية الداخلية، ويضعف فيها التداول على المسؤولية، وتحتكر فيها القرارات، تفتح بنفسها الباب أمام الانشقاقات والانتقالات وفقدان الثقة.

 

لقد آن الأوان لأن تستعيد الأحزاب المغربية أدوارها الحقيقية، لا كآلات انتخابية موسمية، بل كفضاءات للتأطير والتكوين وإنتاج النخب، وكمدارس للممارسة الديمقراطية. فدورها في الاستقطاب يجب أن يكون عملا مستمرا، عبر منظماتها الشبابية والنسائية والقطاعية، لا أن يقتصر على موسم توزيع التزكيات. كما أن تخليق الحياة السياسية يبدأ من داخل الحزب قبل أن يمتد إلى المؤسسات المنتخبة.

 

فالديمقراطية لا تُبنى من أعلى فقط، بل تنمو من داخل الأحزاب. والحزب الذي يعجز عن إرساء قواعد الديمقراطية داخل أسواره، لن يستطيع أن يكون حاملا لمشروع ديمقراطي في المجتمع. لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي للحياة السياسية يبدأ من هنا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه

Journal24
شارك المقال شارك غرد إرسال
Journal24