
في كل زاوية من شوارع المدن المغربية، تمتد صفوف العربات المتنقلة التي تعرض ما لذّ وطاب من الأكلات الشعبية: ساندويشات، بطاطا مقلية، كفتة، بيصارة، شاي ساخن… مشهد أصبح جزءًا من الحياة اليومية، لكنه يخفي وراءه واقعًا مقلقًا حول سلامة ما يُقدَّم للمواطنين، في ظل غياب شبه تام للمراقبة الصحية والتنظيم الإداري.
“ما عنديش خدمة، وهاد العربة رزقي ورزق وليداتي”، هكذا يبرّر أحد باعة الأكلات المتنقلة في أحد أحياء مكناس عمله اليومي، دون أن يخفي أنه لا يملك ترخيصًا ولا يخضع لأي تفتيش صحي. هذا الواقع ليس استثناءً، بل هو القاعدة في عدد من المدن، حيث تحولت هذه الأنشطة العشوائية إلى مصدر دخل أساسي لفئات واسعة تعاني من البطالة، في غياب بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية.
يؤكد عدد من المواطنين الذين تحدثوا لـنا أنهم يقبلون على أكلات الشارع لأنها “رخيصة وسريعة”، لكن القليل منهم يفكر في مصدر الزيت أو نظافة الأدوات المستعملة. أخصائيون في الصحة العامة حذروا من أن استمرار الظاهرة دون مراقبة صارمة يهدد الأمن الغذائي، وقد يكون سببًا في انتشار أمراض مرتبطة بالتسممات أو ضعف معايير النظافة.
السلطات المحلية، من جهتها، تكتفي أحيانًا بحملات موسمية لتحرير الملك العمومي دون معالجة أصل الإشكال. فبينما يُمنع الباعة من استغلال الأرصفة، لا يُقدَّم لهم أي إطار قانوني أو فضاء منظم يضمن لهم ولزبنائهم شروط السلامة والنظافة.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية المستهلكين قائمة في اختيار ما يستهلكونه بوعي، بدل التساهل مع “شهيوات الزنقة” التي قد تُرضي الجوع لكنها تهدد الصحة.
يرى عدد من المتتبعين أن الحل لا يكمن في المنع، بل في تنظيم المهنة عبر منح تراخيص محددة، وفرض رقابة صحية دورية، وتشجيع مبادرات الاقتصاد الاجتماعي التي تدمج الباعة المتجولين ضمن القطاع المنظم.
فأكلات الشارع جزء من الثقافة الشعبية المغربية، لكن الحفاظ عليها يتطلب نظامًا يحمي المستهلك ويصون كرامة البائع.
ما بين لقمة العيش ولقمة الخطر، يعيش المغاربة يوميًا مفارقة صعبة: الأكل من الشارع ضرورة اقتصادية، لكنه مخاطرة صحية. ويبقى السؤال مفتوحًا:
واش السلطات فعلاً عارفة آش كياكلو المغاربة فالزنقة؟



