مع كل ارتفاع لأسعار المحروقات ببلادنا، يخرج علينا أباطرة السوق بأن السبب الرئيس في ذلك هو السوق الدولية، لكن مالم يقولوه أهم مما قالوه، وهو أن المغرب يتوفر على مخزون من هذه المواد يناهز 50 يوماً، وهو ما يفترض أن يشكل “صمام أمان” في وجه تقلبات الأسواق العالمية.
السؤال المطروح هنا، إذا كان هذا المخزون موجود لحماية السوق والمستهلكين، فلماذا لا يحقق هذا الهدف.
عمليا يعن وجود مخزون استراتيجي يعني أن على الشركات أن تبيع منتجاتها بأسعار مستقرة خلال فترات الأزمات، لأن المخزون تم اقتناؤه بأسعار أقل، غير أن ما يحدث في المغرب يسير بطريقة عكسية، فالأسعار ترتفع بشكل ميكانيكي بمجرد ارتفاعها في السوق الدولية، ودون ان تنتظر هذه الشركات نفاذ المخزون القديم، هذا الأخير يتحول إلى مجرد عنصر لوجستي، بينما يتحمل المستهلك تقلبات السوق بشكل فوري.
على الرغم من أن البعض يزعم أن ما نعيشه نحن كمغاربة ليس استثناء، وإنما يدخل ضمن ظاهرة معروفة اقتصاديا ب “الأسعار ترتفع بسرعة “الصاروخ”، لكنها تنخفض ببطء “الريشة”، إلا أن تقرير مجلس المنافسة أكد أن هناك اختلال في تفاعل الأسعار، حيث ينعكس الارتفاع الدولي بسرعة، بينما يكون الانخفاض أبطأ.
رأي مجلس المنافسة أكدته عدد ن التقارير التي أكدت أن صافي أرباح شركات المحروقات بلغ حوالي 2.3 مليار درهم سنة 2024، مع هامش صافي يقارب 2.9%، أي ما يعادل 43 سنتيماً في لتر الغازوال و61 سنتيماً للبنزين.
كما سجلت هوامش ربح خام تصل إلى حوالي 1.48 درهم للتر في بعض الفترات، وهي مستويات تعيد النقاش حول طبيعة المنافسة في هذا السوق.
الأهم من ذلك، أن تسع شركات فقط تهيمن على الجزء الأكبر من الواردات، بنسبة تصل إلى حوالي 80%، ما يعكس تركّزاً واضحاً في السوق.
منذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، أصبح من المفترض أن المنافسة هي التي تضبط الأسعار، غير أن تقارير مجلس المنافسة نفسها تحدثت عن ممارسات منافية للمنافسة، وصلت إلى حد فرض غرامات مالية على شركات القطاع في 2023، الأمر الذي يطرح عديد الأسئلة من قبيل، هل السوق فعلاً تنافسي؟ أم أنه مجرد سوق مركّز بفاعلين قلائل يتحركون في نفس الاتجاه؟
وتأسيسا على هذه المعطيات، ذهب عدد من الخبراء الاقتصاديين إلى طرح عدد من التوصيات التي من شأنها أن تخفف من وطأة هذه المعضلات، من قبيل فصل نشاط التخزين عن التوزيع، وفتح الولوج إلى البنية التحتية أمام فاعلين جدد، الأمر الذي قد يساعد في التخفيف من تركّز السوق، ويساهم في يخلق منافسة حقيقية، ويعيد للمخزون دوره كأداة توازن، لا كوسيلة ربح إضافي
لكن الأمر الذي يتغافل عنه هؤلاء الخبراء، هو ارتباط بعض الفاعلين الاقتصاديين الكبار في قطاع المحروقات بالسلطة السياسية، وأبرزهم رئيس الحكومة الحالي، عزيز أخنوش المرتبط بمجموعة أكوا، مما يطرح سؤالا مشروعا حول تضارب المصالح، خاصة عندما يتعلق الأمر بإصلاحات قد تؤثر على أرباح القطاع.
وفي نهاية المطاف، يصبح المواطن هو “الحائط القصير” والحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يدفع ثمن الارتفاع السريع في المحطات، ثم يتحمل كلفة الدعم المباشر للمهنيين، فيؤدي فاتورة الأزمة مرتين، بينما يستمر الغموض حول آليات التسعير وهوامش الربح.



