جرت عادة الملك محمد السادس، ومنذ توليه العرش، مع حلول شهر رمضان من كل سنة، أن يترأس، انطلاق عملية توزيع “قفة رمضان” لفائدة الأسر المعوزة، في مشهد بات يتكرر سنويًا، بل وينتظره المغاربة بشغف على اعتبار أنه يمثل أحد السمات التي تميز هذا الشهر الفضيل بالنسبة لهم.
هذه العملية التي تبدو بسيطة ويراها البعض غير مجدية أو مجرد حركة للاستهلاك الإعلامي، تحمل في طياتها دلالات أعمق من مجرد توزيع مساعدات غذائية ظرفية.
فالقفة لن تقضي على الفقر، ولن تخرج الأسر الهشة من دائرة الحاجة، فهي مساعدة محدودة في الزمن والأثر، غير أن اختزالها في بعدها المادي فقط يُفوّت فهم رمزيتها المجتمعية.
فجوهر المبادرة وروحها لا يكمن في محتوى القفة بقدر ما يكمن في الرسالة التي تحملها، وهي ترسيخ ثقافة التضامن داخل المجتمع المغربي، هذه الثقافة التي ميزت الشعب المغربي و جعلته مضرب للأمثال في هذا الخلق الذي انقرض في مجتمعات أخرى.
فرمضان في وعي المغاربة ووجدانهم ليس مجرد شهر للصيام، بل هو موسم لإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الرحم، وتأسيسا على ذلك، تتحول “قفة رمضان” إلى فعل رمزي يعزز هذه القيم، ويعطي إشارة قوية إلى أهمية التآزر بين مختلف فئات المجتمع، خاصة في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
كما أن هذه المبادرة تعكس بعدًا ثقافيًا أصيلًا في الهوية المغربية، حيث ظل التضامن جزءًا من البنية الاجتماعية، سواء عبر مبادرات رسمية أو عبر تقاليد شعبية متجذرة وأشكال الدعم المتبادل داخل الأحياء والقرى.
لذلك يمكن القول إن الدولة هنا لا تقدم مجرد إعانة، بل تكرّس سلوكًا جماعيًا يُفترض أن يمتد إلى الأفراد والمؤسسات والمجتمع المدني.
صحيح أن معالجة الفقر تتطلب سياسات عمومية هيكلية، وإصلاحات اقتصادية عميقة، وبرامج إدماج مستدامة، وهو ما تشتغل عليه الدولة وتحاول إيجاد حلول مبتكرة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي بالنسبة للمغاربة، لكن المبادرات ذات البعد الرمزي تبقى ضرورية للحفاظ على التماسك الاجتماعي، خاصة في الفترات التي يزداد فيها الإحساس بالفوارق الاجتماعية.
تظل “قفة رمضان” رسالة أكثر منها مساعدة، رسالة مفادها أن التضامن ليس خيارًا ظرفيًا، بل قيمة مؤسسة للمجتمع المغربي، تتجدد كل عام مع قدوم شهر الرحمة، فقوة المجتمعات لا تُقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على التراحم والتكافل.

