
من المؤسف حقا أن تخرج الأغلبية الحكومية ببيان بارد وضعيف للتفاعل مع الاحتجاجات اليومية التي ينظمها الشباب في مختلف المدن المغربية، وتواجه بالمنع والعنف والتوقيفات، ويعرف بعضها انزلاقات مرفوضة، كما وثقت كل ذلك فيديوهات وسائل الاعلام الوطنية ومنشورات المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي.
مرت ثلاثة أيام من احتجاجات همت العديد من المدن في ظل صمت كبير من طرف الحكومة التي هي المخاطب الرئيسي باحتجاجات “جيل زد” كما توضح ذلك أدبياتهم وشعاراتهم التي ركزت على قطاعي الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية، وتؤكده مطالبهم ذات الطابع القطاعي، وشعاراتهم ذات السقف السياسي الذي لم يتجاوز الحكومة إلى مخاطبة الدولة.
وفي اليوم الرابع، يأتي التفاعل من “الأغلبية الحكومية” عبر بيان وصورة تريد تحاول إرسال رسائل ما إلى من يهمهم الأمر، من خلال اللون الموحد (الأبيض)، ونزع المعاطف. وهي الصورة التي تعرضت لتنمر واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ذلك أن السيمياء التي تحاول إنطاقها لا تعبر عن معنى يناسب انتظارات السياق المتوتر لدى المحتجين.
لقد كانت أهم فقرة في البيان، ذات صلة مباشرة بالاحتجاجات، هي التي تؤكد فيها الأغلبية “أن المقاربة المبنية على الحوار والنقاش هي السبيل الوحيد لمعالجة مختلف الإشكالات التي تواجهها بلادنا”. وهذا شيء إيجابي ومهم. لكنها لا تطرح أي مبادرة لفتح الحوار والنقاش مع المحتجين، علما أن “جيل زد” المحتج لم يطالب بالحوار، بل طالب بمبادرات إصلاحية، مما يطرح السؤال عن جدوى الحديث عن الحوار والنقاش في سياق سياسي عنوانه الكبير “الشارع يطالب بالإصلاح” إذا لم تعلن الحكومة أو أغلبيتها عن مبادرات عملية، كعربون حول جديتها في التجاوب مع المطالب، ولا عن مبادرات تشكل فضاءات تكون في مستوى استيعاب شباب “جيل زد” في حوار ونقاش، ووفي مستوى الانصات لهم.
إن المحتجين أعلنوا بشكل واضح موقفهم المتحفظ من الأحزاب والنقابات، ما يعني أن تلك الهيئات لا تصلح للعب دور الوسيط. ولا نعلم عن أطراف الحوار والنقاش الذي تتحدث عنه الأغلبية الحكومية، هل هي الحكومة؟ أم أحزابها ونقاباتها؟ أم “الفعاليات الإعلامية” التابعة لها التي شيطنت الاحتجاجات وجعلتها ضمن أجندة خارجية؟ وهي يمكن للحوار والنقاش أن يتأسس بين أطراف لا ثقة بينها؟
لكن البيان يعطي تفسيرا محتملا لهذا الحديث الملتبس عن الحوار والنقاش، ففي الفقرة الرابعة منه يقول البيان إن الأغلبية “تثمن كل المبادرات الرامية إلى فتح نقاش حول إصلاح المنظومة الصحية، خاصة المبادرة التي تقدمت بها الفرق البرلمانية، والرامية إلى الاستماع لعرض مفصل للسيد وزير الصحة والحماية الاجتماعية باللجان البرلمانية، ومناقشة مختلف جوانبه، وفي هذا الإطار تؤكد على أن الحكومة تظل منفتحة على اقتراحات كل القوى الحية التي يمكن أن تساهم في تجويد المنظومة الصحية، بما يستجيب لطموحات جميع المغاربة”.
هذه الفقرة تكشف عن الخلفية الديماغوجية لبيان الأغلبية، فهو يحاول يائسا التهرب من الحوار والنقاش السياسيين مع المحتجين، إلى الحوارات الرسمية المترهلة بين الحكومة والبرلمان، والتي كثيرا ما تصب الزيت على نيران الغضب في المجتمع، ولا تزيد الطين إلا بلة، وخاصة في أوساط الشباب. فهل بعرض الوزير ومناقشة البرلمانيين، ومقترحات من هنا وهناك يمكن أن نقدم أملا لليائسين في الشارع؟
لقد تحدثت الأغلبية عن “الحوار والنقاش” بصفتهما يشكلان “السبيل الوحيد لمعالجة مختلف الإشكالات التي تواجهها بلادنا”، لكن سرعان ما دكت ما حرثت تلك الكلمات لما أعقبت ذلك مباشرة بالقول إنها “تحييي التفاعل المتوازن للسلطات الأمنية طبقا للمساطر القانونية ذات الصلة”، ولا ندري من تخاطب الأغلبية بمثل هذا الكلام؟
إن المخاطب الرئيسي المفترض لبيان الأغلبية هم المحتجون من “جيل زد” ومن التحق بهم في الشارع، فهل هؤلاء يرون في تدخلات الأمن التي تحييها الأغلبية الحكومية توازنا؟
إن الشباب الغاضب واضح المطالب، والذي ننتظره جميعا أن تعلن الحكومة مبادرات متجاوبة مع الانتظارات، وليس التأكيد على أنها تعمل ما في المستطاع.
وبيان الأغلبية واضح في أنه لا يملك شيئا مما يمكن أن يعد به الشباب المطالب بالإصلاح، فبعد أن أكدت “وعيها بمختلف التراكمات والإشكالات التي تعرفها المنظومة الصحية منذ عقود” تضيف الأغلبية الحكومية في بيانها شيئا غريبا إذ “تؤكد أن طموح الإصلاح الصادر عن هذه التعبيرات الشبابية يلتقي مع الأولويات التي تشتغل عليها الحكومة، التي فتحت منذ تحملها المسؤولية ورشا ضخما لإصلاح القطاع، والذي لا يمكن أن تقاس نتائجه بشكل آني بالنظر إلى حجم الإصلاحات التي يتم تنزيلها بشكل متزامن، خاصة ما يرتبط بإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتأهيل المستشفيات بمختلف مستوياتها، والرفع من عدد مهنيي القطاع، بما يتلاءم مع المعايير الدولية”. فماذا يمكن أن يفهم الشباب المحتج من هذا التأكيد؟
إن الفقرة السابقة من بيان الأغلبية الحكومية تقول للشباب باختصار شديد: ليس لدينا شيئا نضيفه عما نحن بصدد الاشتغال عليه، وما عليكم إلا انتظار النتائج.
إننا أمام خطاب ينسف بعضه بعضا، ولا يمكن أن يكون له أي أثر إيجابي في جلب انتباه الشباب الغاضب، فكيف بإقناعهم بشيء. ويكون من المشروع طرح سؤال الغاية من بيان الأغلبية، الذي يتسم بالضعف، ويتضمن عوامل التأجيج والاستفزاز؟
