كشفت مجلة «لوبوان» الفرنسية، في تقرير تحليلي موسّع حول التوازنات الإقليمية في شمال إفريقيا، أن القيادة الجزائرية الحالية لم تُدرك بعد أن الزمن قد تغيّر، معتبرة أن تصلّب مواقفها السياسية والدبلوماسية أصبح السبب الرئيسي في شلل المنطقة المغاربية وعرقلة مسارها التنموي المشترك.
وأضافت المجلة أن الجزائر، التي كانت تُعرف تاريخياً بمواقفها “الفخورة والمستقلة”، تحوّلت اليوم إلى دولة معزولة دبلوماسياً، في وقت يواصل فيه المغرب تعزيز مكانته كقوة إقليمية صاعدة، تجمع بين الانفتاح والحزم في سياسته الخارجية.
وأوضح التقرير أن الجيل المسنّ الذي يُمسك بزمام السلطة في الجزائر ما زال أسير منطق مرحلة ما بعد الاستقلال، عاجزاً عن مجاراة تحولات القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد خطاب “التحرر الوطني” كافياً لمواكبة التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية العالمية.
وفي مقارنة رمزية لافتة، كتبت المجلة أن “الزمن لم يعد زمن جبهة التحرير الوطني (FLN)، بل زمن الذكاء الاصطناعي (AI)”، في إشارة إلى الهوّة الواسعة بين تطلعات الشباب الجزائري المتصل بالعالم الرقمي وواقع سلطة يتحكم فيها جيل متقدّم في السن.
وأبرزت لوبوان أن حراك 2019 كان مؤشراً واضحاً على رغبة الشباب الجزائري في بناء مستقبلهم بعيداً عن وصاية “الأجداد”، غير أن نية الرئيس عبد المجيد تبون الترشح لولاية ثالثة، رغم تحديد الدستور ولايتين فقط، “تؤكد أن النظام الجزائري لم يستوعب بعد دروس الحراك الشعبي”.
واعتبرت المجلة أن هذا التوجه يكرّس منطق الجمود السياسي ويُضعف فرص الانتقال نحو نموذج حكم أكثر انفتاحاً واستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.
وفي إشارة إلى تصويت مجلس الأمن على القرار الأممي الأخير رقم 2797، الداعم للمقترح المغربي للحكم الذاتي، ذكّرت لوبوان بأن الجزائر اختارت ترك مقعدها شاغراً أثناء التصويت، واصفة الموقف بـ“الرمادي” الذي لا يعكس لا قبولاً ولا رفضاً، بل عجزاً دبلوماسياً عن التفاعل مع المتغيرات الإقليمية.
ونقلت المجلة عن رئيس مغاربي سابق قوله إن “المنطقة كلها مشلولة بسبب الموقف المتصلب للجزائريين”، في إشارة إلى أن هذا التعطيل يمنع قيام شراكات اقتصادية فعالة بين دول المغرب الكبير، في الوقت الذي يفتح فيه المغرب آفاق تعاون واسعة مع أوروبا وإفريقيا وإسبانيا.
وخلصت المجلة الفرنسية إلى أن الاختلاف الجوهري بين المغرب والجزائر يكمن في طريقة تعاملهما مع الإرث الاستعماري: فبينما اختار المغرب طريق الانفتاح والشراكة والتحديث، ما مكّنه من تعزيز حضوره في القارة الإفريقية وكسب ثقة شركائه الدوليين، ما تزال الجزائر متمسكة بخطاب المواجهة والانغلاق، ما جعلها تغرق في عزلة سياسية تتنافى مع تطلعات شبابها.
وختم التقرير بأن المغرب بات يمثل نموذجاً لبلدٍ واثقٍ من نفسه ومندمجٍ في العالم الحديث، بينما تعيش الجزائر مفارقة جيل جديد يطمح للمستقبل، ونظام قديم ما يزال يتشبث بالماضي.




