شريط الاخبار
           

بين الوعود الحكومية وواقع السوق.. المواطن يؤدي ثمن الفشل المستمر في ضبط أسعار السمك

الحكومية

رغم أن المغرب يتمتع بواجهتين بحريتين تمتدان لأكثر من 3500 كيلومتر، ويُعد من أكبر مصدّري الأسماك في العالم، فإن المواطن المغربي يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة، وهي أن أسعار السمك في الأسواق المحلية مرتفعة إلى حدٍّ يفوق القدرة الشرائية، بل تتجاوز أحيانًا أسعار الدواجن واللحوم الحمراء.

هذا الواقع يطرح تساؤلات حادة حول جدوى السياسات الحكومية المعلنة لضبط الأسعار، وحول أسباب استمرار الغلاء في منتوج يفترض أن يكون غذاءً شعبيًا لا ترفًا للأغنياء.

في جلسة الأسئلة الشفوية الأخيرة بمجلس المستشارين، أوضحت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، أن الحكومة اتخذت “إجراءات مهمة” من بينها تقليص عدد الوسطاء، وتعزيز أسواق الجملة، وتعميم الصناديق الموحدة، ورقمنة المعاملات التجارية.

غير أن هذه الوعود الجديدة القديمة، لم تُترجم يوما ما إلى نتائج ملموسة، إذ لا يزال المواطن يواجه أسعارًا متقلبة وغير مبرَّرة في ظل استمرار المضاربات وضعف المراقبة في مسار التسويق من الميناء إلى السوق.

ورغم حديث الحكومة عن “تشجيع الاستهلاك المحلي”، إلا أن جزءًا كبيرًا من المنتوج البحري يُوجَّه للتصدير، فيما يُترك السوق الداخلي رهينة للوسطاء والمضاربين.

ولعل أغرب ما في الأمر أن أنواعًا من السمك المغربي تباع في الأسواق الأوروبية بأسعار أقل مما هي عليه في أسواق الدار البيضاء أو مراكش، في مفارقة تعكس اختلالًا عميقًا في أولويات السياسة البحرية التي تُغلّب الربح التجاري على مصلحة المواطن.

على الرغم من المشاريع التي أُطلقت لبناء أسواق جديدة وتجهيز القوارب بصناديق عازلة وتحسين سلاسل التوزيع، فإن جوهر المشكلة لا يتعلق بالبنية التحتية، بل بضعف الحكامة وغياب المراقبة الفعلية.

فطالما ظلّت سلاسل التسويق غامضة والوسطاء يتحكمون في الأسعار دون رقابة حقيقية، فإن كل الاستراتيجيات ستظل مجرد شعارات معلّقة على الورق.

زكية الدريوش، قالت إن استراتيجية الحكومة في مجال تسويق الأسماك ترتكز على إجراءات متعددة لا سيما تعزيز شبكة أسواق بيع السمك بالجملة، مبرزة أن المكتب الوطني للصيد يقوم، في هذا الإطار، بتدبير 72 سوقا للبيع الأولي بالجملة، منها 14 سوقا من الجيل الجديد بغلاف مالي يقدر ب635 مليون درهم.

وأضافت أن هذه الإجراءات تشمل أيضا تعميم استعمال الصناديق الموحدة مع إنجاز وحدات لتدبيرها باستثمار إجمالي بلغ 365 مليون درهم، فضلا عن تجهيز قوارب بصناديق عازلة للحرارة قصد الحفاظ على جودة المنتوجات وكذا تسهيل التسويق داخل أسواق الجملة بمبلغ إجمالي قدره 93 مليون درهم.

وسجلت الوزيرة أن حوالي 45 سوقا للبيع الأول بالجملة تعتمد على آليات الرقمنة من أجل تحسين الشفافية في المعاملات التجارية، وذلك بكلفة مالية تصل إلى 34 مليون درهم.

ولفتت، في السياق ذاته، إلى تنزيل البرنامج الوطني لتعزيز بنيات التسويق الداخلي بشراكة مع الجماعات الترابية، وذلك من خلال بناء شبكات تخص 10 أسواق للبيع بالجملة خارج الموانئ، موضحة أن الهدف من ذلك يتمثل أساسا في هيكلة ودعم السوق الداخلي.

كما أشارت الوزيرة إلى أن هذه الشبكة ستتعزز بأسواق جديدة في طور الإنجاز بكل من الناظور وفاس، مع وضع برنامج لبناء 8 أسواق عصرية للبيع بالتقسيط بمساهمة قدرها 30 مليون درهم، 5 منها في طور الإنجاز، وذلك بغاية دعم رواج المنتوجات السمكية وتقليص عدد الوسطاء وضبط الأسعار.

وبخصوص مبادرة “الحوت بثمن معقول”، قالت الدريوش “نشتغل على أن تمتد هذه المبادرة على طول السنة بأسعار معقولة ومستقرة في عدة مدن”، مشددة على أن بائع السمك بالجملة يعد حلقة مهمة في سلسلة القيمة.

وفي هذا الصدد، ذكرت الوزيرة بأن مهنة بائع السمك بالجملة “لم تكن مهيكلة من قبل”، مسلطة الضوء على القانون رقم 14.08 الذي وضع لتنظيم هذه المهنة مع تحديد شروط ممارستها، مضيفة “نحن اليوم بصدد مراجعة بعض مقتضيات هذا القانون لتعزيز دور بائع السمك بالجملة كفاعل محوري في مجال التسويق”.

وأشارت السيد الدريوش إلى أن الحكومة تعمل بتنسيق مع السلطات المحلية لضبط الأسعار والحد من المضاربات والمنافسة غير المشروعة في هذا المجال، وهذه الأمور هي التي حولت السمك، الذي كان يومًا رمزًا للغذاء الشعبي في المغرب، إلى منتوج نخبوي لا يقدر عليه سوى القلة.

شارك المقال شارك غرد إرسال