في كل سنة، تستعد مدينة مكناس لإحتضان حدث وطني ودولي بارز، هو المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، الذي يُعد واجهة مشرقة للقطاع الفلاحي بالمغرب ومنصة لتبادل الخبرات وتعزيز الشراكات. غير أن ما يُفترض أن يكون مناسبة للإحتفاء والإنفتاح، بدأ يثير هذه السنة جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية، خاصة المحلية منها.
فبينما كان من المنتظر أن يحظى الإعلام المحلي بمكانة تليق بدوره الحيوي في نقل نبض الحدث ومواكبته ميدانيًا، تفاجأ عدد من المراسلين والصحفيين بشروط اعتماد وُصفت بكونها “إقصائية”، على رأسها فرض الإدلاء بالبطاقة المهنية كشرط أساسي للتغطية.
ظاهريًا، يبدو هذا الشرط تنظيميًا ومهنيًا، لكن في العمق يطرح أكثر من علامة إستفهام، خاصة في ظل الوضعية الراهنة التي يعرفها المجلس الوطني للصحافة، وما ترتب عنها من تأخر أو غياب في تسليم البطائق المهنية برسم هذه السنة. وهو ما يعني عمليًا أن شريحة واسعة من الصحفيين، رغم ممارستهم الفعلية للمهنة، أصبحت خارج دائرة التغطية، لا لقصور مهني، بل لإعتبارات إدارية خارجة عن إرادتهم.
هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل الغاية من هذا الشرط هي تنظيم العمل الإعلامي، أم تصفية غير معلنة للإعلام المحلي؟
إن الإعتماد الحصري على البطاقة المهنية، في سياق إستثنائي يعلم الجميع حيثياته، يُفهم منه أنه تجاهل للواقع، بل وقد يُفسَّر كآلية غير مباشرة لإقصاء منابر إعلامية لطالما كانت في الصفوف الأمامية لنقل تفاصيل هذا الحدث إلى الرأي العام.
الإعلام المحلي، الذي يشتغل بإمكانيات محدودة، ظل دائمًا الأقرب إلى المواطن، والأقدر على التقاط التفاصيل الصغيرة التي قد تغيب عن كبريات المنابر. وإقصاؤه من تظاهرة بحجم المعرض الدولي للفلاحة لا يمكن إلا أن يُضعف التعددية الإعلامية، ويضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص.
إن تنظيم التغطية الإعلامية أمر ضروري، ولا يختلف عليه اثنان، لكن الأهم هو اعتماد مقاربة مرنة ومنصفة، تراعي الظرفية وتفتح المجال أمام مختلف الفاعلين الإعلاميين، بدل الانغلاق خلف شروط قد تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها إقصائية في أثرها.
في النهاية، يبقى الأمل معقودًا على مراجعة هذه المقاربة، بما يضمن إشراك الإعلام المحلي كشريك أساسي، لا كطرف ثانوي، لأن نجاح أي تظاهرة كبرى لا يُقاس فقط بعدد الزوار أو الاتفاقيات، بل أيضًا بمدى انفتاحها على جميع مكونات الحقل الإعلامي.

