تدخل الحكومة المغربية مرحلة حاسمة في مسار إصلاح أنظمة التقاعد، مع ترقب عرض المشروع على البرلمان خلال دورة ربيع 2026، في خطوة تصفها السلطات بـ”الخيار الوطني الحتمي”، بينما تثير قلقًا متزايدًا لدى الشغيلة والمركزيات النقابية.
وتعكس المؤشرات المالية حجم التحديات التي تواجه المنظومة، إذ كشف تقرير المؤسسات العمومية المرفق بمشروع قانون مالية 2026 أن العجز التقني في الصندوق المغربي للتقاعد (نظام المعاشات المدنية) بلغ نحو 9.24 مليار درهم، مع توقعات بنفاد احتياطياته بحلول 2028 في حال عدم اعتماد إصلاحات هيكلية.
وتتداول اللجان التقنية الحكومية حزمة من الإجراءات المقترحة، من أبرزها رفع سن التقاعد تدريجيًا إلى 65 سنة، وزيادة نسبة الاقتطاعات من الأجور لتصل إلى 14% أو أكثر، إلى جانب خفض معدل احتساب المعاش من 2% إلى 1.5% عن كل سنة عمل.
وتواجه هذه التوجهات رفضًا واسعًا من النقابات، التي تعتبرها مساسًا مباشرًا بالقدرة الشرائية للموظفين، خاصة في ظل التحولات الديموغرافية التي أدت إلى تراجع عدد المساهمين مقابل ارتفاع عدد المتقاعدين. وتشير المعطيات إلى أن نسبة المنخرطين لا تتجاوز حاليًا 1.9 لكل متقاعد، بعدما كانت تفوق 12 في ثمانينيات القرن الماضي.
في المقابل، يبرز تفاوت واضح بين أنظمة التقاعد، حيث سجل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فائضًا تقنيًا يناهز 4 مليارات درهم، مدعومًا بتوسيع قاعدة المنخرطين في إطار إصلاح الحماية الاجتماعية، وهو ما يدفع نحو اعتماد نموذج “القطبين” (عام وخاص) كمرحلة انتقالية قبل توحيد الأنظمة.
ويظل البعد السياسي حاضرًا بقوة في هذا الملف، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، حيث لوّحت النقابات بخيار “التصويت العقابي”، مطالبة الدولة بتحمل مسؤوليتها في تمويل الصناديق وتسوية المتأخرات، بدل تحميل الموظفين كلفة ما تصفه بـ”اختلالات التدبير السابقة”.
كما تثير احتمالات تجميد المعاشات قلقًا إضافيًا، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتجاوز معدلات التضخم 4% في بعض المواد الأساسية، ما يزيد من هشاشة أوضاع المتقاعدين.
ومع اقتراب موعد الحسم في هذا الورش، يقف المغرب أمام معادلة دقيقة بين ضرورة إنقاذ توازنات أنظمة التقاعد والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، في وقت ترى فيه الحكومة أن تأجيل الإصلاح يهدد الاحتياطيات المتبقية، بينما تعتبر النقابات المقترحات الحالية عبئًا إضافيًا على الموظفين.
