جورنال 24
الإثنين, 19 أكتوبر 2026

إعفاء مديحة خيير : بين مساءلة الأحزاب واتهام المؤسسات

كلما تعثر اختيار سياسي أو انتهى مسار وزير بالإعفاء، يبحث بعض الفاعلين عن تفسير خارج دائرة القرار السياسي، فيتحول الحديث إلى اتهامات موجهة للأجهزة الأمنية، وكأنها هي التي تقترح الوزراء وتقرر مصيرهم الحكومي.

 

لكن الحقيقة أن الترشيح للاستوزار يبقى قرارا سياسيا بامتياز. فالأحزاب تقدم مرشحيها، والحكومة تتولى تشكيل الفريق الوزاري وتدبيره، وكل طرف يتحمل مسؤولية اختياراته أمام الرأي العام. ولا يجوز أن يتحول كل إخفاق أو إعفاء إلى مناسبة لإقحام مؤسسات لم يثبت أي دور لها في اتخاذ القرار.

 

إن مساءلة الأحزاب عن كفاءات مرشحيها ليست ترفا سياسيا، بل شرط أساسي لمصداقية المشاركة في تدبير الشأن العام. فمن يقدم اسما لتولي حقيبة وزارية عليه أن يتحقق من مؤهلاته وخبرته وقدرته على التدبير، وأن يتحمل النتائج إذا لم يكن الاختيار موفقا.

 

ومن المفارقة أن بعض الأصوات تطالب بإبعاد الأمن عن السياسة، ثم تعود لتجعله طرفا في كل أزمة حكومية. وهذا التناقض يضعف النقاش العمومي، ويحول الانتباه عن السؤال الحقيقي: من اقترح الاسم، وما المعايير التي اعتمدت في اختياره، ولماذا تعثر هذا الاختيار؟

 

كما ينبغي التمييز بين ممارسة الجهات المختصة لاختصاصاتها القانونية في التدقيق أو التحقق، وبين سلطة اقتراح الوزراء واتخاذ القرار السياسي. فمجرد وجود إجراء قانوني لا يجعل الجهة التي تمارسه مسؤولة عن أداء حكومي لاحق أو عن نتائج قرار لم تتخذه.

 

ولا يعني هذا أن أي مؤسسة فوق المساءلة. فكل جهة تسأل عن أدائها في حدود اختصاصاتها القانونية، لكن المساءلة تحتاج إلى وقائع وأدلة، لا إلى تخمينات أو اتهامات عامة تُطلق بهدف نقل اللوم بعيدا عن أصحابه.

 

إن إعفاء وزير لا يمثل في ذاته دليلا على تدخل أمني أو تقصير من جهة معينة. فالقرار قد يرتبط بتقييم الأداء، أو بتغير في التوازنات الحكومية، أو باعتبارات سياسية يتحمل أصحابها مسؤوليتها. ولذلك فإن القفز إلى الاستنتاجات دون معطيات موثوقة لا يخدم الحقيقة ولا يعزز ثقة المواطن في المؤسسات.

 

المطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة المسؤولية السياسية: أن تتحمل الأحزاب نتائج ترشيحاتها، وأن تقدم الحكومة تفسيرات واضحة لقراراتها، وأن تُحاسب كل مؤسسة وفق القانون وداخل اختصاصاتها. أما تحويل الأجهزة الأمنية إلى شماعة لكل تعثر حكومي، فليس نقدا مسؤولا، بل محاولة للهروب من المحاسبة الحقيقية.

 

فجوهر المساءلة ليس في البحث عن طرف يُحمَّل اللوم، بل في تحديد من اتخذ القرار، ومن امتلك سلطة الاختيار، ومن يتحمل تبعات النتائج.

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.