اختار حزب الأصالة والمعاصرة جعل القدرة الشرائية محورا أساسيا في برنامجه الانتخابي، مقدما حزمة واسعة من الوعود ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي، التي تستهدف الأجراء والأسر والمتقاعدين.
أسلوب تدوير الوعود الانتخابية الذي ينهجه «البام»، وهو أحد مكونات حكومة الفراقشية وتضارب المصالح، ومن الذين رفضوا بشكل قاطع كل المطالب التي كانت تهدف إلى صيانة القدرة الشرائية للمواطنين، وكان آخرها رفض تسقيف أسعار المحروقات، ليس إلا دغدغة للعواطف، على اعتبار أن مثل هذه الوعود تحظى بجاذبية انتخابية، وتهدف في الأول والأخير إلى خداع أكبر عدد من المواطنين البسطاء.
فالسؤال الذي يطرح هنا على الأصالة والمعاصرة هو: من أين سيأتي تمويل هذه الوعود؟ ولقجع، الذي يقدم على أنه «الجوكر» المنقذ، يعلم جيدا أن اتساع دائرة المستفيدين من الإعفاءات والدعم والزيادات الاجتماعية يعني الحاجة إلى تحديد واضح لمصادر تمويلها، وهو نفس المبرر الذي قدمه هذا الحزب عندما رفض مقترح تسقيف أسعار المحروقات.
حزب «البام»، الذي نذكر أنه كان من بين أهم مكونات حكومة الفراقشية، تحدث عن إعادة ما يسميه «الأسعار الطبيعية» لعدد من المواد الأساسية، من خلال إصلاح سلاسل الإنتاج والتوزيع، وتحديث أسواق الجملة، وإحداث شركات جهوية للتوزيع، وتشديد الرقابة على بعض صادرات المنتجات الفلاحية، إضافة إلى مواجهة المضاربة والوساطة التي يعتبرها من أسباب ارتفاع الأسعار.
والسؤال هنا: ألم تكونوا جزءا من الحكومة؟ فلماذا لم تقوموا بكل هذا حماية للمواطنين من لهيب الأسعار؟ ومن شجع المضاربين؟
ثم هل يعتقد من يطلق هذه الوعود أن خفض الأسعار بقرارات إدارية وتنظيمية يضمن بالضرورة انخفاضها على المدى الطويل، ما لم تتم معالجة الأسباب المرتبطة بتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين وهوامش التوزيع والمنافسة؟
كما أن إحداث شركات جهوية جديدة للتوزيع يطرح بدوره سؤال الكلفة والاستثمار والحكامة، خصوصا إذا كانت هذه الشركات ستحتاج إلى موارد مالية وبنيات لوجستية وموارد بشرية إضافية.
البرنامج الانتخابي لـ«البام»، وغيره من الأحزاب التي تطلق مثل هذه الوعود، كان يجب عليه أن يجيب عن سؤال جوهري وحاسم، وهو: كيف سيتم تمويل كل هذه الالتزامات في وقت واحد، خاصة وأننا نعرف الوضعية المالية للبلاد، التي وصلت بها إلى حد بيع ديونها لشركات أجنبية؟
فالإعفاء الضريبي يعني تقليصا محتملا لمداخيل الدولة، ورفع المعاشات يعني زيادة في النفقات الاجتماعية، ومضاعفة الدعم تعني التزاما ماليا متكررا، بينما مجانية جزء من فواتير الكهرباء تتطلب بدورها موردا ماليا واضحا ومستداما.
وإذا أضيفت إلى ذلك الوعود المتعلقة بخفض الأسعار وإعادة تنظيم مسالك التوزيع، فإن حجم الالتزامات المالية والتنظيمية يصبح أكبر، ما يجعل هذه الوعود لا تساوي حتى الورق الذي كتبت عليه.



