يواجه حزب العدالة والتنمية اليوم امتحاناً عسيراً يتعلق بمدى انسجام خطابه السياسي، حيث يجد نفسه تحت مجهر النقد بسبب التباين الصارخ بين القرارات الهيكلية والسيادية التي وقع عليها ووفر لها الغطاء السياسي أثناء قيادته للحكومة لولايتين متتاليتين، وبين مواقفه الحالية التي تنزع نحو المعارضة الراديكالية والتنصل من ذلك الإرث؛ وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول حدود المناورة السياسية ومستقبل ثقة الناخبين في وعوده الانتخابية الجديدة.
تتولى قيادة البيجيدي، وعلى رأسها الأمين العام، رحلات دعائية وإشعاعية متتالية عبر التراب الوطني، تعد من خلالها أنصارها وأعضاء الحزب والمتعاطفين معه بعودتها إلى التدبير الحكومي.
وإذا كان هذا الطموح مشروعاً، وليس لنا موقف مسبق من أي حزب من الأحزاب المتنافسة، ومن حقها الوصول إلى التدبير، فإن السؤال الذي تطرحه المسؤولية السياسية والأخلاقية هو: هل يمكن لحزب تنكَّر لكل القرارات التي اتخذها وهو في التسيير أن يطمح إلى العودة من جديد إليه، علماً أنه يمكن أن يعيد الكرَّة مرة أخرى ويتنصل من الالتزامات إذا ما هبت رياح الشعبوية ضد قراراته؟
والسؤال له مشروعيته من خلال ما سجلناه على قيادة البيجيدي، وهي تتراجع عن التزاماتها الواحد تلو الآخر.
أولاً: كان أكبر تنصل قد حدث في ما يخص الاتفاق الثلاثي، الذي صار يعرف باتفاق التطبيع، وإن كان الوصف غير دقيق. فقد تابعنا الأمين العام السابق ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني يوقع الاتفاق الثلاثي أمام جلالة الملك، وبحضور أطراف الاتفاق، ومن ضمنهم ممثل دولة عظمى هي صاحبة القلم في أهم قضية مغربية، قضية الصحراء. ثم تابعنا بعد ذلك كيف أصبحت القيادة، بعد النتائج الوخيمة التي عرفتها انتخابات 2021، تتنصل من الاتفاق، وذهب بها الأمر إلى حد مهاجمته وتأليب الشارع العام ضده، من خلال المشاركة في التظاهر ضده، وفي التحالف «العدلي النهجوي» المتطرف الذي أجج الشارع ضد الالتزامات المغربية إزاء الاتفاق.
ثانياً: تابعنا كذلك كيف أن الحزب، الذي يعرف أن الدبلوماسية مجال ملكي محفوظ بقوة الدستور والتقاليد المرعية، جعل منها موضوعاً للهجوم في الموقف من الحرب الإيرانية في يونيو 2025 وفي أبريل الماضي. ونذكر أن قرار قطع العلاقات مع طهران كان قد تلاه الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي في ماي 2018، أيام رئاسة سعد الدين العثماني للحكومة، وكان الخلفي حينها قيادياً في الحزب، وما زال إلى حد الآن في قيادة البيجيدي. وهو من أخبر المغاربة بوجود أدلة دامغة تؤكد تورط حزب الله، ومن ورائه إيران، في إرسال خبراء متفجرات ومؤطرين عسكريين إلى تندوف، وتسليم «البوليساريو» أسلحة سام 9 وسام 11 و«ستيرلا».
وما زالت إيران تعلن وتردد عداءها للمغرب ووحدته الترابية إلى حدود كتابة هذه السطور، كما يتضح من خلال تدخل ممثل إيران في اللجنة 24 التابعة للأمم المتحدة، المنعقدة حالياً.
ومع ذلك يردد عبد الإله بنكيران أنه مع إيران، بل واعتز بأنه «ابن إيران».
ثالثاً: على مستوى القرارات الداخلية التي كان البيجيدي قد اتخذها وأصبح يتنكر لها ويعد بالتراجع عنها، يبرز قرار الساعة الإضافية، الذي جعل منه عبد الإله بنكيران حصان حملته الانتخابية، والحال أن حزبه هو الذي اتخذ القرار عندما كان يرأس الحكومة سعد الدين العثماني.
رابعاً: الأمر نفسه ينطبق على قرار فرض التعاقد في مجال التربية والتكوين، وهو ما دفع بعشرات الآلاف من الشباب إلى الشارع، بعد أن انفضحت اللعبة، وعاش المغرب شهوراً عديدة، بل سنوات، على إيقاع متفجر في الشوارع والمؤسسات التعليمية.
خامساً: إن الحزب الذي يشهر في وجه المغاربة، أفراداً وجماعات، وأحزاباً ونقابات، سيوف الهجوم والتخوين بسبب مقترح تسقيف الأسعار، في المحروقات وغير المحروقات، هو نفسه الذي اتخذ قرار تحريرها وفتح الباب أمام المضاربات و«الفراقشية»، كما أصبح شائعاً. وهو الذي اعترف أمينه العام وافتخر بأنه هو الذي دمَّر صندوق المقاصة، الذي كان يحمي الفئات الهشة والضعيفة في المجتمع. وهو الحزب نفسه الذي يصرح اليوم بأنه سيتراجع عن كل ذلك وسيعمل ضده.
ولا يتعلق الأمر، كما نلاحظ، بقرار أو قرارين يمكن الادعاء بأنهما اتخذا تحت ضغط ظروف قاهرة، بل بسياسة كاملة يريد الحزب أن يتنصل منها.
فهل سيغامر المغرب بحكومة تتنكر لكل ما تلتزم به دولياً؟ وهل سيغامر بحكومة تتنكر لكل قرار اقتصادي أو اجتماعي أو تربوي أو تدبيري بمجرد أن تتغير أحوال الطقس أو تنزف شعبية الحزب الذي يقودها؟
هو سؤال نطرحه، والجواب يملكه المغاربة، وهو حق يمارسونه بكل حرية وذكاء ووطنية.




