بقلم: ذ. حسناء بوكيد
باحثة
تتجدد داخل بعض الأوساط الجامعية نقاشات حساسة حول طبيعة العلاقة بين الإدارة وبعض التنظيمات النقابية “المتغولة” بصورة بشعة داخل الفضاء الجامعي، وحدود التأثير المشروع لكل طرف. وفي هذا السياق، يبرز داخل جامعة الحسن الثاني حديثٌ متداول، في صيغ عامة وغير موثقة رسميًا، عن ممارسات يُعتقد أنها تمسّ بتوازن الأدوار داخل المرفق العمومي، وتستدعي نقاشًا هادئًا ومسؤولًا.
تشير هذه القراءات إلى أن الإشكال لا يكمن في الفعل النقابي في حد ذاته، بل في
الكيفية التي قد يُفهم بها حضوره في بعض اللحظات. فحين تُطرح التساؤلات حول التأثير المحتمل في الاختيارات المرتبطة بالهيكلة الإدارية أو بالتعيينات في مناصب المسؤولية ( من كتابة عامة الى رئيس مصلحة أو رئيس قسم)، أو بالمكافآت والاكراميات، والتسهيلات وغض الطرف على قاعدة ” خليه يعمل خليه يمر”.
وكل ذلك ينقل مستوى النقاش حول معايير الاستحقاق والشفافية من مستواها العقلاني، إلى مستويات أخرى مبتذلة تتخذ شكل العلاقات الزبونية والريعية، التي تعيد تحديد الأدوار المتبادلة بين الطرفين الادارة والنقابة، بحيث تتحول النقابة إلى ما يشبه الشبيحة التي تحمي الادارة وتدافع عنها ظالمة أو مظلومة، مقابل ما ستقدمه الادارة لها من امتيازات ريعية تتقاطع مع الفساد في أغلب صوره، أو في شكل تواطئات يائسة تبعد إمكانية تحصين التدبيرالإداري من أي تأويل قد يمس بمبدإي الموضوعية وتكافؤ الفرص.
كما تتحدث بعض الآراء عن أجواء مهنية يُنظر إليها على أنها مشحونة، حيث يشعر جزء من الموظفين، وفق تعبيراتهم، بوجود ضغوط غير مباشرة من هذه النقابات “المتغولة”، أو بتراجع مساحات الاختلاف داخل بيئة العمل. وفي هذا الإطار، تُثار أيضًا مسألة استعمال أدوات تعبير جماعي، كالعَرائض، في سياقات قد يُفهم منها السعي للتأثير على استمرارية بعض المسؤولين في مهامهم أو في توجيه مآلاتهم المهنية.
في المقابل، حين تؤكد الهيئات النقابية أن تدخلاتها تندرج ضمن الدفاع المشروع عن مصالح منخرطيها، فهي تستند، من حيث المبدأ، إلى شرعية قانونية وتاريخية للفعل النقابي داخل المرفق العمومي، بما في ذلك جامعة الحسن الثاني. غير أن هذا التبرير يكتسب دلالات متعددة بحسب السياق وطبيعة الممارسة.
أولًا، من زاوية التحليل المؤسسي، غالبًا ما يُستحضر خطاب “الدينامية التنظيمية” لتبرير الحضور القوي للنقابة في مختلف مستويات النقاش، بما فيها تلك المرتبطة بالتدبير الإداري. هذا الحضور قد يُفهم، في نظر الفاعلين النقابيين، كآلية لسدّ ما يعتبرونه فراغًا في قنوات الوساطة الرسمية أو بطئًا في الاستجابة لمطالب الموظفين. بمعنى آخر، كلما ضعفت آليات الحوار المؤسساتي المنتظم، اتسعت مساحة التدخل غير المباشر للنقابة. في هذا الإطار، يبرز Albert O. Hirschman (1970) في تحليله لآليات الخروج والصوت والولاء أن ضعف قنوات التعبير المؤسسي يدفع الفاعلين إلى تكثيف “الصوت” كوسيلة ضغط بديلة للتأثير. كما تؤكد الأدبيات النيو-مؤسساتية، خاصة مع Douglass C. North (1990)، أن هشاشة المؤسسات أو قصور قواعدها التنظيمية يفتح المجال أمام هذه النقابات “المتغولة” لملء الفراغ، بما يعيد تشكيل توازنات القوة داخل الفضاء الجامعي.
ثانيًا، على المستوى العملي، يطرح هذا التبرير إشكال “الحدود الوظيفية” بين ما هو نقابي وما هو إداري. فالدفاع عن الحقوق قد يتحول، في غياب ضوابط واضحة، إلى سعي للتأثير في القرار، ليس فقط من خلال الترافع، بل عبر موازين قوة غير رسمية. هنا يصبح من الصعب التمييز بين التمثيل المشروع ومحاولات توجيه القرار، خصوصًا عندما يتم ذلك خارج القنوات المؤطرة قانونًا. في هذا السياق، يوضح Henry Mintzberg (1983) أن السلطة داخل المنظمات لا تُمارَس فقط عبر الهياكل الرسمية، بل أيضًا من خلال “السياسات التنظيمية” (organizational politics)، حيث تلجأ مجموعات المصالح إلى استراتيجيات غير رسمية للتأثير في القرار. كما يشير Steven Lukes (2005) إلى أن القوة قد تتخذ أشكالًا غير مرئية، تتجاوز القرار المعلن إلى القدرة على توجيه الأجندة أو التأثير في تفضيلات الفاعلين، وهو ما يعقّد التمييز بين التأثير المشروع والهيمنة غير المباشرة.
ثالثًا، من زاوية علم الاجتماع التنظيمي، يمكن قراءة هذا الخطاب وهذا السلوك كجزء من استراتيجية بناء الشرعية. فالنقابة التي تُبرز نفسها كفاعل “ضروري” لتعويض اختلالات داخلية، تعزز موقعها التفاوضي، وتُضفي على تدخلاتها طابعًا شبه-مؤسساتي، حتى وإن لم تكن جزءًا من البنية الرسمية لاتخاذ القرار. هذا ما قد يفسر تمسك بعض الهيئات بحضور دائم ومؤثر، باعتباره مصدر قوة ورأسمال رمزي داخل المؤسسة. في هذا السياق، يشير Pierre Bourdieu (1994) إلى أن الفاعلين داخل الحقول الاجتماعية يسعون إلى تراكم “رأسمال رمزي” يمنحهم شرعية التأثير والاعتراف، حتى خارج الأطر الرسمية. كما يبرز Michel Crozier وErhard Friedberg (1977) في تحليلهما للمنظمات أن السلطة لا تُختزل في الهياكل الرسمية، بل تتشكل أيضًا عبر التحكم في مناطق اللايقين، ما يسمح لبعض الفاعلين بتوسيع مجال نفوذهم داخل المؤسسة.
رابعًا، يبقى العامل الحاسم هو مدى تمثيلية هذه الهيئات فعليًا. فإذا كان هذا “الحضور الدينامي” يعكس إرادة القاعدة وانخراطها الواعي، فإنه يندرج ضمن الممارسة الديمقراطية. أما إذا كان يعكس فقط قدرة تنظيمية أو شبكات نفوذ محدودة، فإن ذلك يطرح سؤال المشروعية التمثيلية، وليس فقط مشروعية الفعل في حد ذاته. في هذا السياق، يبرز Robert A. Dahl (1971) أن شرعية أي فاعل جماعي داخل النظام الديمقراطي ترتبط بمدى استجابته الفعلية لتفضيلات القاعدة التي يدّعي تمثيلها، وليس فقط بقدرته على التنظيم أو التأثير. كما يشير Mancur Olson (1965) إلى أن منطق العمل الجماعي قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى هيمنة مجموعات صغيرة منظمة على حساب الأغلبية الأقل تنظيمًا، مما يطرح إشكالية التمثيل الحقيقي داخل التنظيمات.
بناءً على ذلك، فإن دقة هذا الطرح تقتضي عدم الاكتفاء بالتصريحات المبدئية، بل ربطها بالممارسة الفعلية: هل تُمارس النقابة دورها ضمن قنوات شفافة ومؤطرة؟ هل تُحترم استقلالية القرار الإداري؟ وهل تعكس مواقفها فعلًا صوت القاعدة أم توازنات داخلية؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد، في النهاية، ما إذا كانت “الدينامية التنظيمية” تعبيرًا عن حيوية ديمقراطية، أم مؤشرًا على اختلال في توزيع الأدوار داخل المؤسسة.
Haut du formulaire
أمام هذه الصورة المتباينة، يبدو أن جوهر الإشكال يتصل بضرورة ترسيخ قواعد واضحة للحكامة داخل الفضاء الجامعي: فصلٌ دقيق بين أدوار التمثيل النقابي ووظائف التدبير الإداري، تعزيزٌ لآليات الشفافية في التعيين والتقييم، وضمانٌ لبيئة مهنية تُصان فيها كرامة الموظف وحقه في الاختلاف دون ضغوط.
في هذا الإطار، يؤكد OECD (2015) أن مبادئ الحكامة الجيدة في القطاع العمومي تقوم أساسًا على وضوح توزيع الأدوار، والشفافية في اتخاذ القرار، وآليات المساءلة، بما يحدّ من تداخل الاختصاصات ويعزز الثقة المؤسسية. كما يشير World Bank (2017) إلى أن تحسين جودة الحكامة يمرّ عبر تقوية المؤسسات الرسمية، وضمان بيئة عمل قائمة على الإنصاف وحماية الحقوق، بما في ذلك حرية التعبير المهني دون خوف من الضغوط أو الانتقام.
إن الجامعة، باعتبارها فضاءً للمعرفة والقيم، مطالبة أكثر من غيرها بتكريس نموذج مؤسساتي متوازن، تُمارس فيه النقابة دورها الترافعي في إطار القانون دون السماح لها بالتغول عبر مأسسة الياتها لممارسة الضغط على الادارة، وتمارس فيه الإدارة صلاحياتها باستقلالية ومسؤولية بعيدا كل البعد عن ارضائها لانها تمثل بالنسبة لها الية لتدجين الموظف. وبين هذا وذاك، يظل الحوار المؤطر والشفاف السبيل الأمثل لتجاوز التوترات وبناء ثقة مستدامة داخل المرفق العمومي.
المراجع
- Hirschman, A. O. (1970). Exit, Voice, and Loyalty: Responses to Decline in Firms, Organizations, and States. Harvard University Press.
- North, D. C. (1990). Institutions, Institutional Change and Economic Performance. Cambridge University
- Bourdieu, P. (1994). Raisons pratiques : Sur la théorie de l’action. Paris : Seuil.
- Crozier, M., & Friedberg, E. (1977). L’acteur et le système : Les contraintes de l’action collective. Paris : Seuil.
- Mintzberg, H. (1983). Power In and Around Organizations. Englewood Cliffs: Prentice-Hall.
- Lukes, S. (2005). Power: A Radical View (2nd ed.). Basingstoke: Palgrave Macmillan.
- Dahl, R. A. (1971). Polyarchy: Participation and Opposition. New Haven: Yale University Press.
- Olson, M. (1965). The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of Groups. Cambridge, MA: Harvard University Press.
- OECD (2015). OECD Recommendation of the Council on Public Governance. Paris: OECD Publishing.
- World Bank (2017). World Development Report 2017: Governance and the Law. Washington, DC: World Bank.

