
في سياق الإصلاحات العميقة التي تعرفها منظومة العدالة المغربية، يبرز مطلب تحصين القضاة اجتماعيا واقتصاديا كشرط أساسي لترسيخ استقلال السلطة القضائية. فاستقلال الضمير القضائي لا يتحقق إلا بتأمين بيئة معيشية تحفظ كرامة القاضي وتضمن له الاستقرار النفسي والأسري.
يرى عدد من الفاعلين القضائيين أن إنشاء مؤسسة اجتماعية خاصة بالقضاة وأسرهم أصبح ضرورة ملحّة، لتدبير الخدمات السكنية والصحية والتعليمية والترفيهية بشكل مؤسساتي، بما يعزز الانتماء المهني ويحد من الضغوط المعيشية التي قد تمس صفاء القاضي واستقلاله.
كما يشدد المقال على أهمية الرفع الدوري في الأجور باعتباره إجراءً وقائياً لا امتيازاً، لضمان الأمن المالي للقضاة في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، انسجاماً مع مبادئ العدالة الاجتماعية والمواثيق الدولية لاستقلال القضاء.
وفي السياق ذاته، يُطرح مطلب تعويض القضاة عن مهام الديمومة التي تقتضي جاهزية مستمرة طيلة الأسبوع، خصوصاً لقضاة التحقيق وأعضاء النيابة العامة، لما يتطلبه ذلك من مجهود مضاعف ومسؤولية دائمة.
ويقترح المقال أيضاً إقرار تعويضات عن الشهرين الثالث عشر والرابع عشر، أسوة بعدد من الإدارات العمومية، إلى جانب تمكين القضاة من الاستفادة من تعويضات الحساب الخاص والتعويض عن مهام التنفيذ الزجري، باعتبارها امتداداً للإنصاف المهني والتحفيز على الأداء.
إن هذه المطالب لا تُعدّ ترفاً مهنياً، بل هي ركائز لتحقيق العدالة الداخلية داخل الجسم القضائي، إذ لا يمكن المطالبة بقضاء مستقل في مجتمع دون قضاة محصنين اجتماعياً ومادياً.
ويختتم الأستاذ عدنان المتفوق مقاله بالتأكيد على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بتنسيق مع رئاسة النيابة العامة ووزارة العدل، مدعوّ إلى بلورة رؤية موحدة للنظام التعويضي والاجتماعي للقضاة، تجمع بين الحكامة المالية وضمان الكرامة المهنية، لأن استقلال القاضي هو في جوهره ضمانة لسيادة القانون وحماية لحقوق المواطن.




