
فضيحة لم أكن لأصدقها ولو سمعت أنها حصلت في أكثر بلد له حكومة تدهس على الدستور والقانون ولها قدرة عجيبة على إسقاط كل التراكمات والمكتسبات..
لكن أن يحصل ذلك في المغرب، فتلك مصيبة ما بعدها مصيبة..
هذه القضية لا يضاهيها شيء في سورياليتها، وهذه قصتها:
في 2016 ركب المغرب رسميا قطار “التنظيم الذاتي للصحافة” بعد ميلاد قانون إحداث المجلس الوطني للصحافة، ولاحقا انتخاب أعضائه..
التنظيم الذاتي هو أرقى ما هو مطلوب في تنظيم الصحافة كسلطة تمارس دورها في تأطير المواطنين وتوعيتهم والرقابة على باقي السلط..
بغض النظر عن الملاحظات التي أثيرت حول طريقة انتخاب المجلس وتركيبة أعضائه وأيضا حصيلة عمله في ولايته المنتهية، فإن وجود إطار اسمه “المجلس الوطني للصحافة” مكتسب كبير في صالح الديمقراطية وحرية الصحافة..
في الرابع من أكتوبر الماضي انتهت ولاية المجلس، فلم تتم الدعوة لانتخابات أعضائه، بعدما ظهرت مناورات (لا داعي للخوض فيها لأن مجرد السماع بها تجعل المرء يندم على اليوم الذي وَلَجَ فيه هذه المهنة النبيلة).
سريعا، تدخل “المنقذ” وزير الثقافة والشباب والتواصل (الحكومة)، فأصدرت مرسوما لتمديد عمر المجلس ستة أشهر بدعوى التحضير للانتخابات، كانت هذه الفضيحة الأولى..
في الرابع من أبريل الجاري انتهت مدة التمديد، ولم تحصل الانتخابات، لكن قبلها انطلقت مناورات أخطر تُوِّجَتْ بولادة
ابن لقيط” اسمه مقترح قانون لتعديل قانون إحداث المجلس” يضع التمثيل بدل الانتخاب، بل الأكثر من ذلك أراد جعل تعيين رئيس مجلس التنظيم الذاتي بِيَد رئيس الدولة. كانت الفضيحة مزلزلة، وفجأة اختفى المقترح وتبرأ منه الجميع ولم يظهر له أثر منذ ذلك اليوم.
اليوم تستعد الحكومة لإذاعة “فضيحة عالمية”، فضحية بجلاجل، ستجعلنا نخجل من أنفسنا، فضيحة تضرب في الدولة، في سمو الدستور، في القوانين، بل الأكثر من ذلك، تقول للصحافيين أنتم لا شيء !!!!
الفضيحة عبارة عن مشروع قانون لإحداث لجنة مؤقتة وهي في الواقع “تمديد للمجلس لكن فقط بأعضاء بعينهم !!!”، حيث سيتم الاحتفاظ بالرئيس رئيسا وأيضا نائبته واثنين من أعضاء المجلس فقط، بينما ينبغي أن نسأل هؤلاء: لماذا لم تدعون للانتخابات؟ وهل أنتم من أصحاب الانتخاب أم التعيين؟
الحالة ستصبح كالآتي رئيس لجنة البطاقة –مثلا- الذي كان يجتمع مع أعضاء أخرين للبث في طلبات الحصول على بطاقة الصحافة، سيصبح بمفرده يبث في الملفات.. جزيرة الوقواق لن تتجرأ على هذه التخريجة..
في الفضيحة أيضا منحٌ لرئيس الحكومة سلطة تعيين ثلاثة أعضاء باللجنة المؤقتة، هذا لم يعد تنظيما ذاتيا أصبح اسمه تنظيما حكوميا !!
الحقيقة التي تختفي في هذه الفضيحة التي جاد بها وزير من آخر الزمان هي: “التمديد للمجلس السابق مع إبعاد من لا يدخل في مزاجه”.
إنه تمديد مقنع سيستمر لعامين. والمضحك أن النص يقول إن هذه المدة لإتاحة الفرصة لتنظيم الانتخابات.
لو كانت الدولة تعيش حالة الاستثناء وأرادت تنظيم انتخابات تشريعية وجماعية ومهنية، لكفاها ثلاثة أشهر أو ستة باش تقضي الغرض.
الصحافة أكثر الملفات التي كانت موضوع انتقادات للمملكة في الأعوام الأخيرة، لكن اليوم نقدم طبقا من ذهب لمن ينتقدنا، ولخصومنا..
سنقول لهم: انظروا إن التنظيم الذاتي للصحافة الذي كنا نتباهى به حولناه إلى “تنظيم ذاتي لأجل أشخاص”.
أتمتى من الحكومة أن تتخذ قرارا آخر، هو أرحم وأفضل لصورة البلد، أن تعلن “إعدام” المجلس الوطني للصحافة، وكلها يرجع لدارو، ويكفي أن تقول إنهم اختلفوا على تنظيم الانتخابات، وسنتركهم حتى ينضجوا..
على فكرة، الصحافيون يعرفون كم يتقاضى رئيس الحكومة وكم يأخذ أصحاب التقاعد الاستثنائي، لكن الكثيرين منهم –وأنا منهم- لا يعرفون كم يتقاضى رئيس المجلس الوطني للصحافة، فقط نسمع أنه يعادل أجرة “وزير”..
ومن يدري قد يكون “الصالير” أحد اركان حل لغز الفضيحة!!!
