بعد مرور نحو أربعة عقود على واحدة من أكثر القضايا الجنائية إيلاماً في فرنسا، تعود مأساة الطفلة المغربية إيناس تولوب إلى الواجهة، مع انطلاق محاكمة والديها أمام محكمة الجنايات بمدينة بلوا، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، في قضية ظلت تفاصيلها غامضة لأكثر من 30 عاماً.
وتعود فصول هذه المأساة إلى 11 غشت 1987، حين عثرت السلطات الفرنسية على جثة طفلة لا يتجاوز عمرها أربع سنوات، ملقاة بمحاذاة الطريق السيار A10، بالقرب من منطقة سوفر بإقليم لوار إي شير، داخل غطاء كان يلف جسدها. وأظهرت المعاينات الطبية وجود آثار اعتداءات جسدية خطيرة، من بينها حروق وجروح وعضات وكسور، ما جعل القضية تتحول إلى واحدة من أبشع الجرائم التي استأثرت باهتمام الرأي العام الفرنسي.
ولأن أحداً لم يتقدم للإبلاغ عن اختفاء الطفلة، عجز المحققون عن تحديد هويتها، لتُعرف لسنوات طويلة بلقب «شهيدة الطريق السيار A10» أو «الطفلة المجهولة». ورغم حملات البحث الواسعة التي شملت عشرات الدول وآلاف المؤسسات التعليمية، ظلت هويتها لغزاً مستعصياً على المحققين.
الحمض النووي ينهي لغز ثلاثة عقود
لم تبدأ خيوط القضية في الانكشاف إلا سنة 2017، عندما قادت مطابقة البصمة الوراثية المأخوذة من أحد إخوة الضحية إلى تحديد هوية الطفلة، قبل أن يتم الإعلان عن ذلك سنة 2018.
وكشفت التحقيقات أن الأمر يتعلق بإيناس تولوب، المولودة بمدينة الدار البيضاء في 3 يوليوز 1983، والتي انتقلت إلى فرنسا للعيش مع أسرتها بعدما قضت الأشهر الأولى من حياتها لدى جدتها بالمغرب.
وأفضت التحريات إلى توقيف والديها، أحمد تولوب وحليمة البختي، يوم 12 يونيو 2018، بعدما ظلا بعيدين عن دائرة الاشتباه طوال سنوات طويلة.
اتهامات ثقيلة ومواجهة أمام القضاء
وتشير المعطيات الواردة في التحقيق إلى أن الأم، حليمة البختي، البالغة من العمر 72 عاماً، تتابع بتهمة التعذيب وأعمال وحشية أدت إلى وفاة طفلتها دون نية القتل، بينما يواجه الأب، أحمد تولوب، البالغ 74 عاماً، تهمة المشاركة في هذه الأفعال.
وبحسب رواية الأب أمام المحققين، فقد عاد إلى المنزل ليلة الواقعة ليجد ابنته جثة هامدة، بعدما أخبرته زوجته بأنها سقطت على الدرج المؤدي إلى القبو. كما أقر بأنه لم يبلغ السلطات، وأنه ساهم في التخلص من جثة الطفلة خلال رحلة الأسرة نحو المغرب، بدلاً من التوجه إلى الشرطة.
في المقابل، أقرت الأم خلال التحقيقات بأنها كانت تضرب ابنتها، لكنها نفت مسؤوليتها عن الإصابات الخطيرة التي عُثر عليها بجسدها، كما قدم الطرفان روايات متباينة بشأن ظروف وفاة الطفلة.
ومن المنتظر أن تسعى جلسات المحاكمة، التي انطلقت في 2 نونبر الجاري، إلى كشف حقيقة ما تعرضت له إيناس، وتحديد المسؤوليات الجنائية لكل طرف، بعد سنوات طويلة من الانتظار.
وتحضر القضية بقوة من خلال مشاركة الإخوة الستة للضحية كأطراف مدنية، إلى جانب جمعيات معنية بحماية الطفولة وجماعة سوفر، حيث دُفنت الطفلة سنة 1987 في قبر ظل شاهداً على مأساة لم تُكشف هويتها إلا بعد 31 عاماً.
وبينما تنتظر عائلة الطفلة والهيئات الحقوقية ما ستكشف عنه جلسات المحاكمة، تبقى قصة إيناس تولوب تذكيراً مؤلماً بمصير طفلة حُرمت من طفولتها، وظلت مجهولة الاسم طوال عقود، قبل أن تعيد التحاليل الجينية إليها هويتها وتفتح الطريق أمام العدالة.

