كرّس التصويت الذي شهده مجلس الأمن الدولي، الجمعة 30 أكتوبر 2026، بشأن الصحراء المغربية، تقدما سياسيا لافتا لمبادرة الحكم الذاتي، بعدما حظي مشروع القرار الأمريكي الداعم للمقترح المغربي بتأييد 11 عضوا من أصل 15، قبل أن يحول استخدام روسيا حق النقض دون اعتماده، رغم عدم تسجيل أي معارضة أخرى، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت.
ورغم إسقاط المشروع قانونيا بفعل الفيتو الروسي، فإن نتيجة التصويت حملت مؤشرات سياسية مهمة، بعدما أظهرت اصطفاف أغلبية واسعة داخل المجلس خلف مقاربة تجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا للعملية السياسية والمفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء.
وكان المشروع الأمريكي، الذي يحمل الرقم S/2026/868، يقترح البناء على القرار 2797 لسنة 2025، من خلال اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر قابلية للتطبيق، واعتماد المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات المقبلة، وذلك في أعقاب ثلاث جولات من المباحثات خلال سنة 2026، تناولت تفاصيل الحكم الذاتي والتمثيل السياسي وتقاسم الموارد والضمانات الدستورية والترتيبات الانتقالية.
ولم يقتصر المشروع على تثبيت المرجعية السياسية للحل، بل امتد إلى إعادة النظر في طبيعة مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو»، عبر اقتراح حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسمها، في خطوة تعكس التحول الذي عرفه مسار التسوية الأممية، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء البعثة لتنفيذ مخطط استفتاء تعذر تطبيقه.
ودافعت واشنطن عن مشروعها بالتذكير بالصعوبات التي واجهت تنظيم الاستفتاء، مشيرة إلى أن عملية تحديد الهيئة الناخبة توقفت منذ عقود، وأن مسؤولين أمميين متعاقبين أقروا بتراجع فرص تنفيذ خطة الاستفتاء بصيغتها الأصلية، ما يعزز الحاجة إلى مقاربة سياسية واقعية وقابلة للتطبيق.
وعكست مواقف الدول المؤيدة للمشروع اتساع دائرة الدعم الدولي للمبادرة المغربية. فقد وصفت المملكة المتحدة مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 بأنه «الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية» للتوصل إلى تسوية دائمة، فيما اعتبرت بنما المبادرة المغربية الأساس الأكثر قابلية للتطبيق لاستئناف المفاوضات.
من جهتها، دعمت ليبيريا اعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر قابلية للتطبيق والأساس الوحيد للتفاوض في النص المعروض، بينما أكدت جمهورية الكونغو الديمقراطية أن الصيغة المحدثة للمبادرة المغربية شكلت أساسا للمناقشات الموضوعية خلال جولات التفاوض الثلاث الأخيرة، بما يعكس انتقال المقترح المغربي إلى مرحلة مناقشة تفاصيله وآليات تنزيله.
كما عبرت البحرين عن أسفها لعدم اعتماد المشروع، وجددت دعمها الواضح لجعل المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات، مرحبة بالتوجه نحو مراجعة تسمية بعثة المينورسو بما يواكب تطورات المسار السياسي.
في المقابل، لجأت روسيا إلى استخدام حق النقض، معتبرة أن المشروع الأمريكي يمنح مبادرة الحكم الذاتي أولوية من شأنها التأثير مسبقا في مخرجات المفاوضات، ودافعت موسكو عن الإبقاء على الصيغة الحالية للمينورسو وعلى المرجعية التاريخية للاستفتاء، معلنة تقديم مشروع مختصر يهدف إلى تمديد ولاية البعثة.
ولم تحجب المواقف المتباينة بشأن بعض مقتضيات المشروع حقيقة أن النقاش داخل المجلس بات يتمحور بصورة متزايدة حول تفاصيل التسوية السياسية، بدلا من الاقتصار على الصيغ التقليدية التي ظلت مطروحة منذ بداية النزاع. فقد شددت باكستان والصومال والصين على ضرورة احترام مبدأ تقرير المصير وعدم فرض نتيجة مسبقة، فيما أكدت لاتفيا والدنمارك، رغم تصويتهما لصالح المشروع الأمريكي، أن دعمه لا يشكل اعترافا تلقائيا بالسيادة المغربية ولا حكما مسبقا على الوضع النهائي.
وفي هذا السياق، دعت الدنمارك إلى توضيح تفاصيل مقترح الحكم الذاتي الموسع والضمانات الكفيلة بممارسته فعليا، وهو ما يعكس انتقال النقاش الدولي من مرحلة تقييم المبادرة المغربية باعتبارها مقترحا سياسيا إلى البحث في مضامينها العملية ومقومات تنفيذها.
وبذلك، لم ينجح الفيتو الروسي في حجب الدلالة السياسية للتصويت، الذي أظهر تأييد 11 عضوا لمشروع يضع الحكم الذاتي المغربي في صلب المسار التفاوضي، مقابل معارضة عضو دائم واحد وامتناع ثلاثة أعضاء.
وتؤكد هذه الحصيلة أن المبادرة المغربية تواصل تعزيز موقعها داخل النقاش الأممي، وأن المقاربة القائمة على الحكم الذاتي باتت تحظى بحضور متقدم في تصورات عدد من أعضاء مجلس الأمن بشأن مستقبل التسوية، رغم استمرار الخلافات حول الضمانات وآليات تقرير المصير وطبيعة الدور المستقبلي للمينورسو.

