جورنال 24
الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026
إعلان

بوصوف يكتب عن .. عيد الوحدة : من ترسيخ الهوية الوطنية إلى صناعة المستقبل

تكتسب ذكرى 31 أكتوبر دلالاتها الوطنية من ارتباطها بالتحول التاريخي الذي عرفته قضية الصحراء المغربية، وبما أتاحه قرار مجلس الأمن 2797 سنة 2025 من تطور في مسار البحث عن حل سياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي.

غير أن أهمية هذا التاريخ لا تختزل في أبعاده الدبلوماسية، بل تمتد إلى أسئلة أعمق حول علاقة الوحدة الترابية بالهوية الوطنية، وحول قدرة المغاربة على تحويل رصيدهم التاريخي إلى قوة لبناء المستقبل.

وقد عبّر الملك محمد السادس، في خطابه يوم 31 أكتوبر 2025، عن طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها المغرب، معتبراً أن التاريخ الوطني عرف منعطفاً حاسماً يفتح صفحة جديدة في مسار ترسيخ المضامين المتعلقة بالهوية الوطنية.

إعلان

وفي أعقاب هذا التحول، تقرر جعل 31 أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً “عيد الوحدة”، بما يحمله من دلالات تتصل بالوحدة الوطنية والترابية والتراثية والتاريخية للمملكة.

وهكذا ارتبطت المناسبة بحدث سياسي ودبلوماسي، لكنها تفتح في الوقت نفسه مجالاً أوسع للتأمل في معنى الوحدة باعتبارها رابطة بين الأرض والتاريخ والمجتمع والمصير المشترك.

الوحدة الترابية والهوية الوطنية
فالوحدة الترابية ليست مجرد حقيقة جغرافية، وإنما هي تعبير عن مسار تاريخي تشكلت خلاله الدولة المغربية، وتفاعلت فيه الروابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين مختلف مناطق البلاد. وقد أسهمت البيعة والحركة التجارية والصلات العلمية والدينية في بناء هذا الامتداد التاريخي، الذي تداخلت مساراته مع التحولات التي فرضها الاستعمار وإعادة رسم الحدود.

ومن ثم فإن استحضار قضية الصحراء يقتضي فهم وضعها في سياق تاريخي أوسع، يساعد على فهم استمرارية الدولة المغربية بمختلف مجالاتها، بعيداً عن اختزال التاريخ أو تحويله إلى مجرد خطاب احتفالي.

ومن هنا تتضح الصلة الجوهرية بين عيد الوحدة والهوية الوطنية؛ فالهوية ليست شعاراً يرفع في المناسبات، ولا إرثاً جامداً يحصر في الماضي، بل هي حصيلة تاريخية متراكمة تمنح المجتمع الاستمرارية والانتماء. وقد تشكلت الهوية المغربية من روافد أمازيغية وعربية وإسلامية وأندلسية وصحراوية وأفريقية ومتوسطية ويهودية، تفاعلت عبر القرون وأسهمت في بناء شخصية وطنية متميزة، وتكمن قوة هذه الهوية في قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطار جامع من دون إلغاء الخصوصيات التي أغنت التجربة المغربية.

وفي هذا المعنى، تمثل الصحراء المغربية جزءاً من الذاكرة الوطنية ومن الامتداد التاريخي والثقافي للمملكة. كما أن الدفاع عن الوحدة الوطنية يرتبط بصيانة هذا المشترك الوطني، لكن الهوية لا تكتمل بمجرد استحضار الروابط التاريخية؛ إنها تحتاج إلى تجديد مستمر عبر المعرفة والثقافة والمواطنة.

من الاعتزاز إلى المسؤولية
وهذا المعنى يجد تعبيراً واضحاً في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشر، يوم 9 أكتوبر 2026. فقد أكد الملك أن الاعتزاز بالوطن لا ينبغي أن يكون وسيلة للتنافس أو إعلان الرضى عن الذات، بل هو حافز يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في سياق عيد الوحدة، إذ تنقل الحديث من سؤال الانتماء إلى سؤال ما يترتب عليه من عمل والتزام ومشاركة في صناعة المستقبل. فالاعتزاز بالهوية الوطنية لا يقاس بكثافة الشعارات، وإنما بما يحفز عليه من مبادرة وإبداع واستعداد للعمل، وبما ينتجه من ثقة في المؤسسات واستعداد لخدمة الصالح العام.

وإذا كان التاريخ يمنح المغاربة أسباباً للاعتزاز، فإن المستقبل يضع أمامهم مسؤولية تحويل هذا الاعتزاز إلى إنجازات في التعليم والاقتصاد والبحث العلمي والعدالة الاجتماعية. ويغدو الانتماء طاقة منتجة لا مجرد شعور عاطفي، وتغدو الهوية إطاراً يحفز على التجديد بدل أن تتحول إلى الاكتفاء بما تحقق.

الوحدة والتنمية والإنصاف المجالي
ويترتب على ذلك أن ترسيخ الوحدة الوطنية يتصل بالتنمية والإنصاف المجالي؛ فالأقاليم الجنوبية، بما تمثله من أهمية استراتيجية وإمكانات للربط بين المغرب وعمقه الأفريقي وامتداده الأطلسي، تحتاج إلى سياسات تخلق فرص الشغل، وتطور التعليم والصحة والتكوين، وتشجع الاستثمار المنتج وتوسع مشاركة الشباب والنساء في الحياة الاقتصادية والمؤسساتية.

فالوحدة تزداد رسوخاً حين تتحول إلى فرص متكافئة وكرامة اجتماعية وإحساس مشترك بأن ثمار التنمية حق لجميع المواطنين.

كما أن المدرسة والجامعة ومؤسسات البحث والإعلام مدعوة إلى جعل الذاكرة الوطنية راسخة لدى الأجيال الجديدة، من خلال تقديم التاريخ المغربي في تعدده وامتداداته، وربط قضية الصحراء بسياقها التاريخي والدبلوماسي، وتعزيز فهم الهوية بوصفها بناءً مشتركاً ومسؤولية متجددة. فالمطلوب لا يقف فقط عند أن يعتز الشباب بماضيهم ووطنهم، بل أن يمتلكوا المعرفة والكفاءات والثقة اللازمة للإسهام في مستقبله.

عيد الوحدة: رسالة المستقبل
إن عيد الوحدة، في دلالته الأعمق، يجمع بين وحدة الأرض ووحدة الذاكرة ووحدة المصير. ويمنح الخطاب الملكي حول الانتماء هذه المناسبة أفقاً يتجاوز الاحتفاء بالماضي إلى استثمارها في بناء المستقبل؛ فالتاريخ يمنحنا جذورنا، والهوية تحدد عناصر انتمائنا المشترك، لكن العمل وحده هو الذي يحول هذا الرصيد إلى قوة للتقدم.

وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن يحملها 31 أكتوبر: أن يكون للمغاربة حافزاً على تحمل المسؤولية، وتجديد الثقة في قدراتهم، والمساهمة في بناء وطن موحد في روافده، عادل في تنميته، واثق في مستقبله.

 

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.