جورنال 24
الأربعاء, 14 أكتوبر 2026

أزمة الديزل العالمية تمتد إلى 2027..و أسعار المحروقات في المغرب ترتفع قبل تحذير الوكالة

 

تضع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية بشأن استمرار اضطراب سوق الديزل إلى النصف الثاني من عام 2027 الاقتصادات المستوردة للطاقة أمام تحديات إضافية، في مقدمتها ارتفاع فاتورة المحروقات، وزيادة تكاليف النقل والشحن، واحتمال انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات. ويأتي المغرب ضمن الاقتصادات المعنية بهذه التطورات، بالنظر إلى اعتماده على استيراد المنتجات النفطية المكررة وتأثير المحروقات في مختلف حلقات النشاط الاقتصادي.

 

وفي تقريرها الشهري عن سوق النفط، الصادر في 14 أكتوبر 2026، ترسم وكالة الطاقة الدولية صورة لسوق لا تزال تعاني اختلالاً بين العرض والطلب على الديزل، رغم التوقعات بارتفاع نشاط المصافي خلال الأشهر المقبلة. وتوضح الوكالة أن تعافي الإنتاج لن يكون كافياً لتعويض النقص المتراكم في الإمدادات والمخزونات خلال عام 2026، ما قد يؤخر عودة السوق إلى مستويات أكثر استقراراً.

 

وبالنسبة إلى المغرب، لا يقتصر التحدي على السعر الذي يدفعه المستهلك في محطة الوقود، بل يمتد إلى تكلفة نقل البضائع، وتشغيل الآلات الزراعية، والخدمات اللوجستية، وتوزيع المنتجات الغذائية والصناعية. غير أن حجم هذه الانعكاسات سيظل مرتبطاً بمسار الأسعار الدولية، وتطورات الإمدادات، ومدى انتقال الزيادات إلى باقي مكونات الاقتصاد.

بحسب تقرير أكتوبر، انخفضت صادرات الديزل العالمية في سبتمبر 2026 بنحو 700 ألف برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما سجلت الإمدادات القادمة من روسيا والشرق الأوسط تراجعاً بلغ نحو 1.3 مليون برميل يومياً، لم تتمكن الزيادات المسجلة في مصادر أخرى من تعويضه بالكامل.

وتربط الوكالة هذا الوضع بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط على تدفقات الطاقة، وتراجع صادرات المنتجات المكررة، إلى جانب الأضرار التي لحقت بقدرات التكرير الروسية نتيجة الهجمات على بعض المنشآت. وقد ساهمت هذه التطورات في تقليص المعروض العالمي من الديزل وزيادة الضغط على المخزونات.

وفي الوقت نفسه، تتوقع الوكالة انتعاش نشاط المصافي تدريجياً مع نهاية العام، على أن يرتفع إنتاجها العالمي خلال 2027. لكن هذا التحسن المرتقب لا يعني انتهاء الأزمة سريعاً؛ إذ تشير تقديراتها إلى أن استعادة المخزونات المفقودة قد لا تتحقق قبل النصف الثاني من 2027، خارج التقلبات الموسمية المعتادة.

ويعني ذلك أن السوق قد تعرف تحسناً في توازن العرض والطلب خلال بعض الفترات، من دون أن تستعيد بالضرورة قدرتها السابقة على مواجهة الاضطرابات المفاجئة.

كما حذرت الوكالة من أن ارتفاع تكاليف الشحن البحري، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وأي توقف غير متوقع في المصافي أو طرق الإمداد، قد يضيف ضغوطاً جديدة على أسعار المنتجات النفطية المكررة.

تظهر مؤشرات السوق المغربية أن ارتفاع أسعار الديزل لم يعد مجرد احتمال مستقبلي. فقد أفاد موقع «Le360»، في تقرير منشور يوم 2 أكتوبر 2026، بأن أسعار الغازوال في عدد من محطات الوقود بوسط الدار البيضاء تراوحت بين 16.10 و16.18 درهماً للتر، عقب زيادة مطلع الشهر بلغت 80 سنتيماً للتر، وفق الأسعار التي رصدها الموقع آنذاك. <Cite refs={[“turn997081search1”]}/>

وتعكس هذه الأرقام مستوى الأسعار المسجلة في محطات محددة وفي تاريخ معين، ولا ينبغي اعتبارها سعراً موحداً على الصعيد الوطني أو دليلاً على أن الزيادات ستتواصل بالمقدار نفسه خلال الأشهر المقبلة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء طبيعة سوق المحروقات المغربية، حيث تحررت أسعار البيع بالتقسيط للبنزين والغازوال منذ ديسمبر 2015، ما يجعل الأسعار المحلية أكثر ارتباطاً بتكاليف التوريد وظروف السوق وهوامش الفاعلين، مع مراعاة توقيت انتقال التغيرات الدولية إلى الأسعار المعروضة للمستهلك.

وبالتالي، فإن استمرار ارتفاع أسعار الديزل عالمياً قد يرفع كلفة إعادة تزويد السوق المغربية، لكنه لا يسمح وحده بتحديد موعد الزيادة المحلية المقبلة أو حجمها. فذلك يتوقف أيضاً على أسعار المنتجات المكررة عند التسليم، وتكاليف النقل والتأمين، وسعر صرف العملة، والمخزونات المتاحة، وشروط التوريد.

توضح بيانات وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أن المغرب استورد خلال عام 2025 نحو 6.857 ملايين طن من الغازوال، وفق الإحصاءات المنشورة بشأن واردات المنتجات النفطية. ويبرز هذا الحجم مدى أهمية الديزل في منظومة الإمداد الوطنية، وحساسية السوق المحلية لأي اضطراب في أسعاره أو توافره. <Cite refs={[“turn997081search3”]}/>

ويعني الاعتماد على الاستيراد أن ارتفاع أسعار المنتجات المكررة في الأسواق الدولية يمكن أن ينعكس على فاتورة الطاقة، حتى في الحالات التي لا يشهد فيها السوق نقصاً فعلياً في الكميات المتاحة.

وتكمن المسألة في أن الديزل سلعة وسيطة تدخل في تشغيل وسائل النقل والشاحنات والآليات الزراعية ومعدات البناء، فضلاً عن استخدامه في أنشطة اقتصادية مختلفة. ولذلك، فإن ارتفاع كلفته قد ينعكس على تكلفة الإنتاج والتوزيع، بحسب قدرة الشركات على امتصاص الزيادة أو تمريرها إلى المستهلك النهائي.

وفي تقريره التكميلي بشأن مشاورات المادة الرابعة مع المغرب، الصادر في مارس 2026، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالمياً يمكن أن يؤثر في التضخم المغربي من خلال قنوات مباشرة، تشمل الوقود والنقل، وأخرى غير مباشرة تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج والتوزيع.

 

وتعني هذه المعطيات أن استمرار أزمة الديزل يمثل خطراً اقتصادياً ينبغي مراقبته، لا دليلاً على أن ارتفاعاً شاملاً في أسعار السلع قد أصبح أمراً محسوماً.

يعد قطاع النقل من أكثر القطاعات ارتباطاً بأسعار الديزل، لأن الوقود يمثل أحد عناصر التكلفة التشغيلية للشاحنات والحافلات ومركبات التوزيع.

وعندما ترتفع تكلفة التزود بالغازوال، قد تواجه شركات النقل ضغطاً على هوامشها، خصوصاً إذا كانت تعمل بعقود وأسعار نقل محددة مسبقاً، أو في أسواق يصعب فيها تمرير الزيادة كاملة إلى الزبائن.

وفي المقابل، قد تلجأ بعض الشركات إلى إعادة التفاوض بشأن أسعار خدماتها أو تعديل مسارات التوزيع أو تحسين كفاءة استهلاك الوقود، بينما قد تتحمل شركات أخرى جزءاً من الزيادة لفترة من الزمن.

ولا يحدث انتقال التكلفة إلى أسعار النقل بالضرورة بصورة فورية أو متساوية بين مختلف الأنشطة. فحجم الأثر يتأثر بالمسافة، ونوع المركبات، ومعدل استهلاك الوقود، وطبيعة العقود، ومستوى المنافسة، ونسبة الوقود من مجموع التكاليف التشغيلية.

وتزداد أهمية هذه القناة في اقتصاد يعتمد على النقل البري لتوزيع السلع بين الموانئ ومناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك. فإذا استمرت الضغوط على الديزل، فقد تجد بعض الشركات نفسها أمام خيارين رئيسيين: تحمل جزء من ارتفاع التكلفة على حساب أرباحها، أو نقل جزء منها إلى أسعار خدماتها.

لكن تحديد حجم هذه الزيادة يتطلب بيانات ميدانية عن كلفة النقل وهوامش الشركات، ولا يمكن استخلاصه مباشرة من توقعات وكالة الطاقة الدولية وحدها.

قد تنتقل زيادة أسعار الديزل إلى أسعار المنتجات الغذائية والصناعية عبر عدة مراحل، تبدأ بتكلفة نقل المواد الأولية، ثم تشغيل الآلات والمعدات، وصولاً إلى نقل المنتجات النهائية وتوزيعها على تجار الجملة والتقسيط.

وفي القطاع الزراعي، يمكن أن تؤثر أسعار الوقود في كلفة بعض العمليات الميكانيكية ونقل المحاصيل إلى الأسواق. أما في الصناعات التحويلية، فقد يظهر الأثر من خلال النقل وتكاليف الخدمات اللوجستية والمواد الأولية التي تعتمد على سلاسل إمداد كثيفة الاستهلاك للطاقة.

غير أن العلاقة بين ارتفاع الوقود وارتفاع أسعار السلع ليست آلية. فقد تمتص الشركات جزءاً من الزيادة، أو تعوضها بتحسين الإنتاجية، أو تؤجل تمريرها إلى المستهلك بسبب المنافسة أو ضعف الطلب. كما أن الأسعار النهائية تتأثر بعوامل أخرى، من بينها المواسم الزراعية، والظروف المناخية، وتكلفة المواد الأولية، وأسعار الصرف، ومستوى العرض والطلب.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر دقة هو توقع استمرار الضغوط على تكاليف بعض الأنشطة إذا ظلت أسعار الديزل مرتفعة، مع تفاوت انعكاسها على السلع والخدمات بحسب القطاع وظروف السوق، بدلاً من الجزم بارتفاع شامل ومتزامن للأسعار.

في مواجهة اضطرابات أسواق الطاقة، لا تتحدد قدرة أي بلد على تأمين حاجياته بالأسعار العالمية وحدها، بل أيضاً بحجم المخزونات المتاحة، ووتيرة الاستيراد، وتنوع مصادر التوريد، وقدرة الموانئ وشبكات التخزين والتوزيع على مواصلة العمل.

وفي هذا السياق، أفاد تقرير نشره موقع «Le360» في 1 أكتوبر 2026 بأن الحكومة المغربية أعلنت أن مخزونات الغازوال والغاز البوتان تغطي ما بين 40 و60 يوماً، مؤكدة استمرار الاستيراد والإمداد بصورة طبيعية في ذلك الوقت.

 

 

وتشكل هذه المعطيات مؤشراً مهماً إلى وضع الإمدادات في التاريخ الذي أعلن فيه عنها، لكنها لا تعني أن جميع المنتجات النفطية تتوفر على مستوى التغطية نفسه، كما لا تضمن ثبات هذه المستويات مستقبلاً إذا طال أمد الاضطرابات.

كما أن وجود مخزون كافٍ نسبياً يمكن أن يساعد على تجنب الانقطاعات المباشرة، لكنه لا يعزل السوق المحلية بالضرورة عن ارتفاع الأسعار الدولية. فالاحتفاظ بالوقود وتأمين إمدادات جديدة يختلفان عن القدرة على منع انعكاس تكاليف الاستيراد المرتفعة على السوق.

ومن ثم، فإن متابعة المخزونات وتحديث بياناتها بانتظام تظل ضرورية لتقييم مدى قدرة المغرب على التعامل مع استمرار أزمة الديزل خلال الأشهر المقبلة.

تطرح الأزمة مجموعة من الخيارات الاقتصادية التي يمكن تقييمها وفق تكلفتها وفعاليتها ومدى استهدافها للفئات والقطاعات المتضررة.

أولاً، يكتسب تنويع مصادر استيراد المنتجات المكررة أهمية متزايدة في فترات الاضطراب، لأنه قد يقلل من الاعتماد على مسارات إمداد محددة، وإن كان لا يلغي تأثير الأسعار العالمية أو تكاليف الشحن.

ثانياً، تبرز أهمية تحسين كفاءة استهلاك الوقود في النقل واللوجستيات، من خلال صيانة المركبات، وتحديث الأساطيل، وتحسين تخطيط المسارات، وتقليص الرحلات غير المحملة. ويمكن لهذه الإجراءات أن تخفف استهلاك الديزل لكل وحدة من البضائع المنقولة، وإن كانت تحتاج إلى استثمارات وقدرات تنظيمية.

ثالثاً، يمكن تقييم آليات دعم النقل المهني وفق معايير واضحة، بحيث تراعي حجم الزيادة الفعلية في تكاليف التشغيل، وتستهدف الأنشطة الأكثر تعرضاً للصدمة، مع مراقبة أثر الدعم على استمرارية الخدمات وتكلفة الميزانية العامة.

رابعاً، يظل تعزيز الشفافية بشأن الأسعار والمخزونات وتكاليف الاستيراد عاملاً مهماً في تمكين المستهلكين والفاعلين الاقتصاديين من فهم تطورات السوق، والتمييز بين التغيرات الدولية والزيادات المحلية.

أما الخيارات الضريبية أو التدخلات المباشرة في الأسعار، فتحتاج إلى تقييم مالي واقتصادي يوازن بين تخفيف العبء عن المستهلكين، وحماية استدامة المالية العامة، وتجنب تشوهات قد تؤثر في المنافسة أو الاستهلاك.

ترسم توقعات وكالة الطاقة الدولية ثلاثة مسارات محتملة لتطور الأزمة، مع اختلاف نتائج كل مسار تبعاً للأوضاع الجيوسياسية وقدرة المصافي على استعادة الإنتاج.

السيناريو الأول: تعافٍ تدريجي للإمدادات. إذا تحسنت التدفقات التجارية واستعادت المصافي نشاطها وفق التوقعات، فقد تتراجع حدة النقص تدريجياً خلال 2027. لكن إعادة بناء المخزونات ستحتاج إلى وقت، وقد تظل الأسعار عرضة للتقلبات.

السيناريو الثاني: استمرار الاضطرابات. إذا ظلت صادرات المنتجات المكررة مقيدة وارتفعت تكاليف النقل البحري، فقد تستمر الضغوط على أسعار الديزل، ما يزيد تكلفة الاستيراد والنقل في المغرب ويعقد احتواء آثارها على المستهلكين.

السيناريو الثالث: صدمة جديدة في الإمدادات. يمكن لأي تعطيل إضافي في منشآت التكرير أو طرق الشحن أن يفاقم اختلال السوق، خصوصاً في ظل انخفاض المخزونات العالمية. وفي هذه الحالة، قد ترتفع الأسعار مجدداً حتى لو لم يشهد الطلب العالمي نمواً قوياً.

وتظل هذه السيناريوهات احتمالات مشروطة وليست توقعات مؤكدة بشأن الأسعار المغربية أو مسار التضخم. كما أن أي تقدير رقمي للأثر المحلي يحتاج إلى بيانات حديثة عن أسعار الاستيراد، وسعر الصرف، والمخزونات، وكلفة النقل، وآليات انتقال الأسعار.

تكشف أزمة الديزل العالمية عن هشاشة التوازن بين إمدادات الوقود المكرر وحاجات الاقتصادات التي تعتمد عليه في النقل والإنتاج والتوزيع. وتحذير وكالة الطاقة الدولية من استمرار ضيق السوق إلى النصف الثاني من 2027 يعني أن الضغوط على الأسعار قد تستمر، حتى مع توقع تحسن نشاط المصافي خلال العام المقبل.

وبالنسبة إلى المغرب، تشير الزيادات المسجلة في أسعار الغازوال خلال أكتوبر، وحجم واردات المنتجات النفطية، إلى أن تطورات السوق الدولية تستحق متابعة دقيقة. كما أن استمرار ارتفاع كلفة الديزل قد يزيد الضغوط على قطاع النقل، ثم ينتقل جزئياً إلى أسعار بعض السلع والخدمات.

لكن النتيجة النهائية ستتوقف على مسار الأزمة، وحجم المخزونات، وشروط التوريد، واستجابة الشركات والسياسات الحكومية. لذلك، فإن الأولوية الاقتصادية تتمثل في ضمان انتظام الإمدادات، وتحسين كفاءة استخدام الوقود، وتعزيز الشفافية، وتقييم التدابير الموجهة لتخفيف الأثر على القطاعات الأكثر تعرضاً، من دون افتراض أن جميع الأسعار ستتحرك بالمقدار نفسه أو في التوقيت ذاته.

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.