وجه إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال تجمع خطابي حاشد نظمه حزبه بمدينة بركان، يوم الجمعة، رسائل سياسية واقتصادية ركزت بالخصوص على تدبير المال العام، والصفقات العمومية، وتوزيع الثروة والاستثمار، إلى جانب انتقاد طريقة تعاطي الحكومة مع عدد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية.
وخصص لشكر جانبا مهما من كلمته لملف الصفقات العمومية، باعتباره، وفق طرحه، أحد أكثر الملفات ارتباطا بالمال العام وبحق المواطنين في معرفة كيفية تدبير مواردهم، والجهات التي تتخذ القرارات بشأنها، وكذا المستفيدين من الصفقات والرخص والامتيازات.
ولم يكتف الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي بالحديث عن محاربة الفساد في صيغة عامة، بل طرح جملة من الأسئلة حول كيفية منح الصفقات العمومية، والجهات التي تتحكم في مساراتها، والسبل الكفيلة بضمان عدم تحول النفوذ إلى مدخل للحصول على صفقة أو رخصة أو امتياز.
وفي هذا السياق، طرح لشكر سؤالا اختزله في عبارة: «فين مشا المال العام؟»، معتبرا أن الأمر لا يتعلق فقط بأرقام ترد في الميزانيات أو بوثائق إدارية، وإنما بأموال المواطنين التي يفترض أن تنعكس على حياتهم اليومية، من خلال المدرسة والمستشفى والطريق وفرص الشغل ومختلف الخدمات العمومية.
ودعا المسؤول الحزبي إلى إخراج الصفقات العمومية من دائرة الغموض، من خلال رقمنتها وإتاحة المعلومات المرتبطة بها، بما يسمح بتتبع مراحلها المختلفة، ابتداء من الإعلان عن الصفقة، مروراً بعملية الاختيار، وصولاً إلى التنفيذ.
واعتبر لشكر أن توفير المعلومة المتعلقة بالصفقات العمومية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري، وإنما كآلية للشفافية والرقابة وحماية المال العام.
وشدد، في السياق ذاته، على ضرورة تجريم استغلال النفوذ في منح الصفقات والرخص العمومية، ومحاصرة المحسوبية والعائلية وتضارب المصالح، مؤكداً أن محاربة الفساد، في نظره، لا ينبغي أن ترتبط بشجاعة فردية أو بمبادرات ظرفية، وإنما بمنظومة قانونية رادعة وآليات مؤسساتية مستدامة.
وفي ما اعتبره التزاماً انتخابياً، قال لشكر إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يقترح، في حال منحه المواطنون ثقتهم، إقرار قواعد قانونية خلال المائة يوم الأولى، بما يجعل الشفافية ومحاربة استغلال النفوذ جزءاً من إصلاح قواعد تدبير المال العام.
كما أعاد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي طرح مطلب إقرار قانون يتعلق بالإثراء غير المشروع، رابطاً ذلك بالحاجة إلى منظومة قانونية قادرة، وفق تصوره، على محاصرة الاستفادة غير المشروعة من الموقع العمومي.
وقال لشكر إن المعركة، في هذا الإطار، تتمثل في إخراج الصفقات العمومية «من الظل إلى الضوء»، ومن الغموض إلى المعلومة، وتعزيز الرقابة على كيفية صرف المال العام.
وفي جانب آخر من كلمته، انتقد لشكر الخطاب الذي تقدمه أحزاب الأغلبية الحكومية خلال الحملة الانتخابية، مشيراً إلى أنها دأبت على تحميل الوسطاء والسماسرة مسؤولية عدد من مظاهر الاختلال التي تمس القدرة الشرائية.
وأوضح أن هذا الخطاب يقوم، بحسب عرضه، على اعتبار أن الوسطاء والسماسرة يستحوذون على جزء مهم من القيمة التي ينتجها الفلاح والعامل والتاجر وغيرهم من المساهمين في الدورة الاقتصادية.
كما أشار إلى أن مختلف الأحزاب تتحدث خلال الحملة الانتخابية عن تراجع القدرة الشرائية، وغياب الأفق أمام الشباب، وضرورة إنتاج عدد من المواد والمنتجات التي يتم استيرادها، فضلاً عن تقليص مظاهر الريع.
وأكد لشكر أن هذه الإشكالات التي تطرحها أحزاب الأغلبية «كلها صحيحة»، وأن حزبه يتقاطع مع تشخيصها، لكنه اعتبر أن الاختلاف الحقيقي يكمن في ما ينبغي أن يحدث بعد انتهاء الانتخابات.
وفي هذا الصدد، تساءل لشكر مخاطباً الحاضرين: «ماذا ستقررون بعد هذه الحملة الانتخابية؟ وما هو الشكل المختلف؟ ما الذي ستأتون به جديداً حتى لا تعيدوا علينا هذا الكلام؟»
واعتبر أن المغرب لا تنقصه التشخيصات ولا القدرة على وصف الواقع، كما لا تنقصه الاستراتيجيات والمخططات، مستحضراً في هذا السياق المشروع التنموي، والخطط الخماسية والثلاثية، فضلاً عن كثرة الندوات والنقاشات التي تناولت مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وانتقل لشكر إلى الحديث عن إشكالية توزيع الثروة، قائلاً إن البلاد تعلمت كيف تنتج الثروة، بالنظر إلى ما تزخر به من إمكانات وثروات، لكنه اعتبر أن الإشكال يكمن في عدم الوصول بعد إلى الطريقة الكفيلة بجعل هذه الثروة «تدور وتلامس الشعب المغربي كاملاً».
ورفض القيادي الاتحادي، وفق ما جاء في كلمته، اختزال الاختلالات المرتبطة بتوزيع الثروة في عوامل ظرفية أو خارجية، مثل الجفاف أو الحرب في أوكرانيا أو التطورات المرتبطة بمضيق هرمز.
واعتبر أن الأمر يرتبط، بحسب تصوره، بـ«قواعد مكتوبة تطبق كل سنة وتظهر لنا في قانون المالية»، في إشارة إلى السياسات والآليات التي تحكم توزيع الموارد والاستثمارات العمومية.
وانتقد لشكر كذلك الطريقة التي يتم بها توزيع الاستثمار العمومي، قائلاً إن هذا التوزيع يتم وفق ما سماه «جاهزية الملفات»، معتبراً أن هذا الأسلوب يؤدي، بحسب طرحه، إلى توجيه جزء مهم من المال العام نحو المناطق التي تتوفر أصلاً على الثروات والبنيات التحتية.
ووصف هذه المناطق بـ«مراكز البلد»، في مقابل مناطق أخرى يرى أنها لا تستفيد بالقدر نفسه من الاستثمارات العمومية وفرص التنمية.
كما انتقد منح امتيازات ضريبية وعقارية ودعم بعض المشاريع، دون أن يكون خلق مناصب الشغل، بحسب تعبيره، في صلب هذه الآليات.
وفي السياق ذاته، انتقد لشكر اعتماد بعض آليات الإقراض على «الذمة المالية» بدل التركيز على المشاريع التي يمكن أن يقدمها الشباب، معتبراً أن هذا الأسلوب يؤدي، وفق قراءته، إلى «تمويل من يملك المال سلفاً».
وربط الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي بين هذه الآليات واستمرار مظاهر الريع، معتبراً أن جزءاً من الاختلالات لا يرتبط فقط بالنتائج الظاهرة للسياسات العمومية، وإنما أيضاً بالقواعد التي تحكم توزيع الموارد والامتيازات والتمويلات.
وفي ختام هذا المحور من كلمته، أعاد لشكر التأكيد على أن جوهر النقاش يتعلق بكيفية تدبير المال العام، ومن يستفيد منه، وما إذا كانت آليات التوزيع والاستثمار والتمويل تساهم فعلاً في توسيع دائرة المستفيدين من الثروة وخلق فرص الشغل وتحقيق العدالة المجالية.
ومن بركان، وضع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ملف الصفقات العمومية وتدبير المال العام وتوزيع الثروة والاستثمار في صلب خطابه الانتخابي، داعياً إلى مزيد من الشفافية وإتاحة المعلومات وتعزيز الآليات القانونية والمؤسساتية لمحاربة استغلال النفوذ والريع.
واختزل لشكر جانبا أساسيا من رسالته السياسية في سؤال ظل حاضرا في كلمته: «فين مشا المال العام؟»، معتبراً أن الإجابة عنه تقتضي، وفق تصوره، جعل مسارات الإنفاق العمومي والصفقات والامتيازات أكثر وضوحاً وقابلية للتتبع والمراقبة.





