جورنال 24
الخميس, 5 نوفمبر 2026
إعلان

الجار… بين وصية السماء وضجيج الصباح

في زمنٍ كانت فيه البيوت متلاصقة والقلوب متآلفة، كان الجار نعمةً تُحمد، وسندًا يُعتزّ به، وطمأنينةً تُستشعر قبل أن تُرى. أما اليوم، فكم من جارٍ تحوّل — للأسف — من مصدر أمان إلى مصدر أذى، ومن راحة إلى صداعٍ يوميٍّ متكرر.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا… وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36].
آيةٌ عظيمةٌ وضعت الجار في مقامٍ رفيع، وجعلت الإحسان إليه عبادةً تُقرّب إلى الله.
لكن، أيُّ إحسانٍ هذا حين يُستيقظ الناس فزعًا على وقعِ جري الأطفال مع أول خيطٍ للفجر؟
أيُّ مروءةٍ حين تتحول الممرات إلى ملاعب كرة قدم قبل أن يفتح الناس أعينهم؟
أيُّ احترامٍ حين تُجرُّ الكراسي جَرًّا كأن الأرض ساحة حرب، وتُغلق الأبواب بقسوةٍ تُشبه الغضب لا الحاجة؟
ليس الحديث هنا عن أطفالٍ يلعبون — فاللعب فطرة — ولكن عن توقيتٍ واحترام.
ليس عن حركةٍ عادية في بيتٍ يسكنه بشر، بل عن فوضى يومية تُمارس بلا أدنى شعور بالغير.
في الصباح الباكر، هناك مريضٌ يحتاج للراحة.
هناك عاملٌ عاد متأخرًا من عمله.
هناك شيخٌ أرهقه السهر.
وهناك أمٌّ سهرت الليل مع رضيعها.
أليس من حق هؤلاء أن يناموا ساعةً في هدوء؟
قال رسول الله ﷺ:
«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
وصيةٌ متكررة من السماء، تأكيدٌ بعد تأكيد، حتى كاد الجار أن يُجعل له نصيبٌ في الميراث من عِظم مكانته.
فكيف تحوّلت الوصية إلى معاناة؟
وكيف أصبح النزول في الدرج سباقًا بالخطوات الصاخبة: دقّ… دقّ… دقّ…
وكأن الهدوء عيب، والتريّث ضعف، والاحترام خيار!
والمؤلم أكثر حين يكون ذلك في شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام، شهر السكينة والخشوع.
شهرٌ يُفترض أن تُخفض فيه الأصوات، وتلين فيه القلوب، ويزداد فيه الإحساس بالآخرين.
فكيف يُستقبل بضجيجٍ يُرهق الصائمين بدل أن يُعينهم؟
إن الاحترام لا يحتاج قانونًا دائمًا، بل يحتاج ضميرًا.
ولا يحتاج شكوى، بل يحتاج وعيًا.
الهدوء ليس تفضّلاً، بل حقٌّ أصيل.
ومراعاة الجار ليست مجاملة، بل عبادة.
كانوا يقولون قديمًا:
“قل لي من جارك أقل لك من أنت.”
فالجار مرآة أخلاق، واختبار إنسانية.
إما أن تكون نعمة تُذكر بخير،
وإما أن تكون عبئًا يُتمنى زواله.
فلنعد قليلًا إلى جوهر الدين،
إلى معنى الإحسان،
إلى قيمة “لا تؤذِ غيرك ولو بصوتك”.
لأن الجدران قد تفصل بين البيوت،
لكن الأخلاق وحدها هي التي تحفظ السكن.

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.