رغم ما تبذله الدولة من مجهودات لتحديث المرافق العمومية وتجهيزها بوسائل رقمية متطورة، ما تزال بعض الإدارات تعيش مفارقة غريبة بين شكل عصري وممارسة تقليدية، تجعل المواطن يتساءل: أين الخلل بالضبط؟
خلال زيارتي لإحدى المؤسسات العمومية من أجل المصادقة على وثائق إدارية، شدّ انتباهي في الوهلة الأولى المظهر التنظيمي للمرفق؛ تجهيزات حديثة، فضاء مرتب، وآلة إلكترونية مخصصة لتوزيع أرقام الانتظار، في خطوة يفترض أن تضمن تكافؤ الفرص بين المرتفقين وتُنهي مظاهر الفوضى والازدحام.
غير أن الواقع كان صادماً.
فالآلة وُضعت جانباً دون استعمال، وتحول النظام الرقمي إلى مجرد ديكور لا غير، بينما عادت الأمور إلى نقطة الصفر: فوضى، غياب للدور، وارتجالية في الولوج إلى الشبابيك، حيث يمر من استطاع التقدم أولاً، في مشهد لا يليق بإدارة يفترض أن تكون نموذجاً في التنظيم واحترام كرامة المواطن.
مثل هذه السلوكيات تُفرغ مشاريع التحديث من مضمونها، لأن الرقمنة ليست مجرد معدات تُقتنى، بل ثقافة عمل وانضباط يومي. فلا معنى لتوفير الوسائل إذا لم تُستثمر بالشكل الصحيح، ولا جدوى من صرف الميزانيات إذا بقيت العقليات رهينة أساليب الماضي.
إن المرافق العمومية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتكريس مبدأ الشفافية والإنصاف، واعتماد التنظيم الصارم في خدمة المواطنين، لأن الإدارة ليست فضاءً للعشوائية، بل واجهة تعكس صورة الدولة واحترامها لمرؤوسيها.
فالمواطن لا يطلب المستحيل… فقط إدارة تحترم دوره

