نطلب من الرحمن في صلواتنا أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، في سورة الفاتحة 20 مرة على الأقل (بالنسبة للمقل)، ونرددها في كل حياتنا إلى أن يباغتنا الأجل.
لماذا نصر في كل يوم على طلب الهداية إلى صراط المنعم عليهم؟
هذا التكرار مقصود في حد ذاته لحفر ونقش هذه المتلازمة في النفس لكي لا نقع في النسيان، وحتى تتحول إلى عقيدة راسخة تفضي في النهاية إلى الاصطفاف النفسي والشعوري إلى فئة المنعم عليهم.
فمن هم هؤلاء الذين نريد أن نصطف إليهم ونكون معهم؟
هذه الفئة يحددها الرحمن بنفسه، وهي تتكون من: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا). وفي سورة مريم، ذكر الرحمن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس، وأعقب ذكرهم بقوله: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) صدق الرحمن. ويضيف إليهم فئة هداها الرحمن واجتباها واصطفاها من عباده الصالحين، ومن صفاتهم الخضوع والسجود للرحمن والبكاء عندما تتلى عليهم آياته.
يريد الرحمن أن ندعوه في كل يوم لهدايتنا ومساعدتنا على اتخاذ قرار الانتماء إلى فئة المنعم عليهم، وبالمقابل ألا نصطف إلى فئة المغضوب عليهم والضالين.
فمن هي هذه الفئة؟
إنها فئة كانت من المنعم عليهم ثم نقضت عهد الرحمن، وكفرت بآياته، ونقضت ميثاقه، وقتلت أنبياءه، وفسدت في الأرض، فضُربت عليها الذلة والمسكنة، فتم طردها وإخراجها من فئة المنعم عليهم بصفة نهائية، وحكم عليها بالعذاب والشتات في الأرض، وهي فئة “بني إسرائيل”، الذين أخرجهم موسى من مصر وأنقذهم من جبروت وظلم فرعون: (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). صدق الرحمن.
ونطلب في كل يوم ألا يجعلنا الرحمن مع فئة المغضوب عليهم، وهم قتلة الأنبياء، ومعهم المنافقون والمشركون وايضا من والاهم وسار على دربهم، لأن الهدف من ترديد هذه المتلازمة كل يوم (على الاقل 20 مرة) هو حفر ذلك ونقشه في النفس وعدم نسيانه بالمطلق، حتى يتحول ذلك إلى عقيدة راسخة لا محيد عنها، بل ويحذر الرحمن الفئة المؤمنة، المأمورة بترديد سورة الفاتحة في كل وقت وحين (لا صلاة دون الفاتحة)، ألا تصطف إلى فئة المغضوب عليهم بأي حال من الأحوال، وقد وجه إليها النهي الآتي: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون). صدق الرحمن.
وأيضا، يود المصلي ألا يصطف مع الضالين، وهي فئة أيضا حدد معالمها الرحمن في آيات عديدة، ويدخل فيها كل من توفرت فيه تلك المحددات العامة، ويمكن استخلاص بعضها: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا). (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا). (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا). (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا). (الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد). (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون).. صدق الرحمن.
إذن لا بد للفئة المؤمنة أن تعلن ولاءها واصطفافها بشكل واضح إلى الفئة المنعم عليها، وبصورة غير منقطعة في الزمان، حتى تتجنب غضب الرحمن والضلال عن سبيله وصراطه.
لماذا؟
لأن يوم الابتلاء والتمحيص آت لا محالة، ولا بد أن تتعرض الفئة المؤمنة (بشكل فردي أو جماعي) للاختبار، حتى يميز الرحمن الطيب من الخبيث، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب، والمجاهد من المتولي.
وإذا لم يوطن المؤمن نفسه على عملية الاصطفاف الشعوري اليومي، فإنه سيرسب في الامتحان، ويتردد في عملية اختيار الفئة التي يتوجب عليه الاصطفاف إليها، ويصعب عليه اتخاذ القرار الصائب، وأكيد أنه سيركن إلى الفئة الضالة، المغضوب عليها.
إن العملية خطيرة جدا، لأن ملابسات اتخاذ القرار وقت عملية الاصطفاف قد تكون غير واضحة، وقد يصعب على المرء الممتحَن استجلاء سبيل فئة المنعم عليهم.
يتحدث الرحمن في كتابه عن “الخط الإيماني” الممتد عبر الزمن، وتتوارثه الفئة المنعم عليها، هذا الخط تعترضه من حين إلى آخر منعطفات خطيرة، تقتضي عملية الاصطفاء والاصطفاف، وقد سرد علينا القرآن أهمها، ابتداء من معركة أبينا آدم مع “الإرهابي” إبليس، ومنعطف الطوفان مع نوح، والريح الصرصر مع قوم عاد، ومنعطف الصاعقة مع قوم هود، ومنعطف الآيات العظمى في عهد فرعون الظالم..
وكانت هذه المطبات التاريخية تحتاج إلى قائد فذ، مطلع على عالم الغيب، وله دراية وعلم بالعالم المشهود، لكي يقود معركة الاصطفاف حتى تتمايز فئة المنعم عليهم من الفئة المغضوب عليها والضالة، (ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة) صدق الرحمن. وهذه سنة الرحمن لا تعرف تبديلا ولا تحويلا..
أرى ـ من زاوية نظر خاصة ـ أن العالم قد دخل منذ زمن في منعطف خطير، ضمن التسلسل التاريخي الحتمي للأزمات الإنسانية، ولسنا على الإطلاق بمنأى عن موجات الاصطفاف التي تتكرر عبر الزمن، واليوم أو غدا، سيُطلب منا، سواء شئنا أم أبينا، أن نحدد بكل وضوح ومسؤولية الجهة التي ننتمي إليها، وسنُدعى إلى اتخاذ قرار مصيري في الاصطفاف النهائي.
وسيجد كل واحد منا نفسه أمام لحظة حاسمة: إما أن يركب سفينة نوح، سفينة النجاة، أو أن يلوذ بالجبل، كما فعل ابن نوح ظنا منه أنه يعصمه من الماء، فكان مصيره الغرق المحتوم.
عند لحظة الاصطفاف، لا تنفع أبوة ولا بنوة، ولا أخوة ولا صحبة، ولا ولاء لحزب أو جماعة أو قبيلة، فكل تلك الروابط تسقط وتفقد صلاحيتها حين يُطلب منا أن نحسم موقعنا زمن التمحيص.
ولا يُستثنى أي أحد من عملية اتخاذ قرار الاصطفاف، فالمسألة حتمية، لأنها سنة إلهية مضطردة، وإذا لم يكن صاحب القرار قد سبق له أن طلب من الرحمن في كل يوم، وبكل إصرار وصدق وسجود وبكاء، وبشكل آلي ودون انقطاع، أن يهديه إلى زمرة الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فسيستشكل عليه الأمر، ويتخذ القرار الخاطئ لا محالة حين مجيء الطوفان، لأنه سيكون بدون استبصار، وعندها يكون الأوان قد فات..
(والله يقول الحق وهو يهدي السبيل). صدق الرحمن
ـــــــــــــــــ
ع.العمري

