أعاد النقاش حول تعديل ظهير 1984 المتعلق بتعويض ضحايا حوادث السير تصدر المشهد القانوني في المغرب، حيث كشفت التجربة العملية عن قصور هذا القانون في تحقيق العدالة للضحايا ومواكبة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المغرب خلال العقود الأربعة الماضية. هذا الواقع أثار حراكًا ملحوظًا بين المحامين والخبراء القانونيين، الذين يجمعون على ضرورة مراجعة شاملة تضمن حقوق المتضررين في ظل ظروف اقتصادية متغيرة وتكاليف معيشية مرتفعة.
وقد ظلت أحكام ظهير 1984 قيد التطبيق لعقود، لكنها أصبحت عاجزة عن معالجة التحديات التي يواجهها ضحايا حوادث السير اليوم. أبرز الثغرات التي أشار إليها المشاركون في ندوة نظمها قطاع المحاماة بحزب التقدم والاشتراكية، تمثلت في هزالة التعويضات المقدمة للمتضررين، والتي لا تعكس حجم الأضرار التي يتعرضون لها.
وفي هذا السياق، أوضح محمد النويني، المحامي بهيئة الدار البيضاء، أن التعويضات التي ينص عليها القانون “لا تواكب حجم الأضرار ولا التطورات الاقتصادية”، مشيرًا إلى أن القانون ينحاز لصالح شركات التأمين، حيث يعتمد سقفًا ثابتًا للتعويضات لا يمكن تجاوزه، ما يضع الضحايا في موقف ضعف.
و أبرزت النقاشات أن التعويضات المالية الممنوحة بموجب ظهير 1984 لا تغطي جميع الأضرار، خصوصًا في الحالات التي تتطلب علاجًا طويل الأمد أو إعادة تأهيل مستمرة. وأشار النويني إلى أن القانون لا يأخذ بعين الاعتبار النفقات الطبية المستقبلية التي يحتاجها الضحايا، مما يجعلهم يتحملون أعباءً مالية إضافية. كما انتقد اعتماد الحد الأدنى للأجر في حساب التعويضات، الذي لا يتجاوز 1800 درهم، معتبرًا أنه لم يعد يعكس الواقع المعيشي الحالي، خاصة في ظل ارتفاع الأجور وتكاليف العلاج.
و إلى جانب مشكلات التعويض، تواجه المنظومة القضائية تحديات كبيرة. أشار المحامي النويني إلى أن تأخير إحالة محاضر الحوادث إلى النيابة العامة، وغياب آليات فعالة لتسريع دراسة القضايا، يؤديان إلى إطالة أمد التقاضي، ما يزيد من معاناة الضحايا. هذا الوضع يجعلهم يتحملون تكاليف إضافية مثل الخبرات والرسوم القضائية، وهو ما يعمق الفجوة بين القانون وحقوق المواطنين.
و في ظل تصاعد المطالب بإصلاح شامل لظهير 1984، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن القانون الحالي لم يعد يفي بالغرض، مشيرًا إلى أن الحكومة شرعت في دراسة تعديلات جذرية لتحسين الوضع. واعتبر وهبي أن التعويضات الحالية التي ينص عليها القانون “لا تلبي احتياجات المواطنين”، داعيًا إلى تغييرات شاملة تأخذ في الاعتبار الزيادات في تكاليف العلاج وتحسين تعامل شركات التأمين مع الضحايا.
كما انتقد وهبي أداء صندوق ضمان حوادث السير، مبرزًا أنه فشل في تنفيذ الأحكام الصادرة لصالح الضحايا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تُنفذ سوى نسبة ضئيلة من التعويضات المستحقة، مما يعكس اختلالًا واضحًا في المنظومة الحالية.
وو فقًا للخطط الحكومية، فإن التعديلات المرتقبة تهدف إلى رفع سقف التعويضات بما يتناسب مع الأضرار الحقيقية التي يتكبدها الضحايا، وكذا إدراج النفقات الطبية المستقبلية ضمن التعويضات لتخفيف العبء عن المتضررين، وذلك إلى جانب تبسيط الإجراءات القضائية لتسريع البت في القضايا وتقليل معاناة الضحايا، وكذا تحسين دور شركات التأمين وصندوق ضمان حوادث السير في توفير التعويضات بشكل عادل وفي الوقت المناسب.
ومع مضي الحكومة في مناقشة مقترحات التعديلات، يترقب المواطنون اعتماد إطار قانوني يحقق التوازن بين حماية حقوق الضحايا وضمان مسؤولية شركات التأمين. تعديل ظهير 1984 لم يعد مطلبًا فنيًا فقط، بل ضرورة ملحة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وضمان تعويض عادل يلبي احتياجات الضحايا في مغرب اليوم.

