جورنال 24
الأربعاء, 16 سبتمبر 2026
إعلانإعلان
إعلان إعلان
إعلانإعلان
إعلان إعلان

نموذج الدولة الاجتماعية بالمغرب، سياقات التبني وأنساق التفعيل

            بقلم أحمد لبراهمي

أضحى مفهوم الدولة الاجتماعية يُفرد لنفسه حيزا مقتدرا في القاموس التداولي للنقاش العمومي المغربي،
وذلك إن سواء داخل الفضاءات الرسمية والبنى السياسية بمختلف مشاربها، أو سواء في صلب
موضوعات البحث العلمي والأكاديمي، أو حتى في انشغالات الحقل الإعلامي وضمن مساحات الاهتمام
الجمعوي…
إن التأصيل النظري لمفهوم الدولة الاجتماعية، يبلغ بجذوره إلى المراحل الأولى لبروز مفهوم الدولة
(خاصة مع الأفكار التي أسست لفلسفة العقد الاجتماعي)، كما يتصل بتطور أدوارها –أي الدولة- تأسيسا
على تيارات ومذاهب فكرية متنوعة ومتباينة. وانطلاقا من القاعدة (لكل نظرية أسباب وجود وعوامل
انقضاء)، فما الدولة الاجتماعية، إلا نتاج لهذه التراكمات النظرية الفكرية من جهة، ولأحداث اقتصادية
واجتماعية من جهة أخرى. سننظر في بعضها من خلال التجربة المغربية.

تدخل الدولة بنفحة اجتماعية، سياقات ما بعد الاستقلال

في سياق موسوم بالحاجة الملحة لتدخل الدولة في المجالات التنموية والاجتماعية، اتجهت المملكة
المغربية منذ الاستقلال، إلى إطلاق عدد من المبادرات التي يمكن تضمينها في خانة تعزيز الرعاية
الاجتماعية (سياسة السدود وانعكاساتها على القرى والفلاحين، إحداث مؤسسات اجتماعية كالتعاون
الوطني والانعاش الوطني، إحداث صندوق المقاصة، والدعم المباشر الموجه للأسر الأكثر هشاشة
بالعالم القروي…)، ورغم أنها مبادرات لا يستقيم الحال برفعها إلى درجة التصور الاستراتيجي للسياسة
الاجتماعية كآلية لتجسيد مفهوم الدولة الاجتماعية واقعا معاشا، إلا أن الحديث عن التجربة المغربية، هو
حديث لا يبتعد عن باقي التجارب التي أثقلت كاهل ميزانياتها عبر رفع مستويات الانفاق على البرامج
الاجتماعية مقابل انخفاض المداخيل في ظل سياسات اقتصادية ضعيفة إلى منعدمة الإنتاجية، لتنتهي إلى
ارتفاع مديونيتها للمؤسسات المالية الدولية، وبالتالي خضوعها لإملاءات هذه الأخيرة، (إملاءات يتم
تغليفها بصيغ التوجيهات والتوصيات والنصائح). فكان لزاما لذلك أن تمتثل هذه الدول بما فيها المغرب،
إلى سياسة التقشف والتقليص من الانفاق على القطاعات الاجتماعية، والاتجاه بدل ذلك إلى إسناد تدبير
هذه المجالات إلى القطاع الخاص في إطار ما يسمى بالخوصصة. والانخراط الرسمي –النسبي- في
النظام العالمي القائم على أسس النيولبرالية، أو كما عبر عن ذاك “صامويل هنتنغتون SAMUEL
HUNTINGTON”; عندما اعتبر أن نمط تدخل الدولة الدائم في النشاط الاقتصادي فقد كل مبررات
وجوده مع انهيار النظم الاشتراكية، وأن الانخراط في النظام الرأسمالي الحر يقتضي أن يلتزم كل
الأطراف بنفس القواعد وعلى رأسها عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.

إعلان
إعلان

تقييد تدخل الدولة في الاقتصادي والاجتماعي، الآثار والنتائج

تزامنا مع ما أسماه الملك الراحل الحسن الثاني “طيب الله ثراه” بالسكتة القلبية التي يوشك المغرب أن
يتلقاها، وتحديدا سنة 1997، بدأت معالم الاتجاه نحو خوصصة الشركة الشريفة للبترول SCP ليتم
إدماجها سنة 1999 إلى شركة سامير. فكان التخلي عن تدبير المصفاة الوحيدة لتكرير البترول الخام،
تخليا على قطاع حيوي لازال المغرب يعيش على تداعياته، خاصة مع الارتفاع الذي تشهده أسعار
المحروقات بالسوق الوطنية كما الدولية، وأخذا بعين الاعتبار الكلفة الكبيرة لتكرير البترول التي تعد أحد
العوامل الأساسية لارتفاع هذه الأسعار.

ليأتي الدور بعدها على الشركة المغربية للملاحة البحرية، المعروفة باختصار كوماناف
COMANAV، والتي تعد مسارا حافلا بالأحداث يستحق الاطلاع عليه بعناية، فبعد أن كان المغرب

متوفرا على أسطول بحري مهم، يضعه في قائمة الأساطيل البحرية القوية، ويدر مداخيل مهمة عبر
خدمات نقل المسافرين والبضائع، تم التخلي عنه عبر خوصصته سنة 2007، وهي السنة التي أعلنت
بداية إفلاس الشركة، تاركة خلفها عددا من الموانئ الكبرى التي شيدها المغرب بدون سفن يمتلكها،
ومخلفة نكوصا حادا عن مئات فرص الشغل للعاملين بالشركة من أطر ومستخدمين وربابنة.

ربما قد تكون سياسة الخوصصة قد حققت نتائج إيجابية في بعض التجارب الدولية، لكن الأمر لا يستقيم
وواقع التجربة المغربية، حيث أدى إلى نزيف في الكفاءات والأطر العاملة بالقطاعات الاجتماعية -ورش
إصلاح الإدارة سنة 2004 عبر المغادرة الطوعية-، ولعلها القطاعات التي لازالت تعاني خصاصا في
الموارد البشرية منذ اعتماد هذه السياسة، إضافة لما شكلته من استنزاف لخزينة الدولة عقب التعويضات
الضخمة التي تم منحها لعدد مهم من المغادرين طوعا للوظيفة العمومية، ليمكن القول أن سياسة
الخوصصة ساهمت في تعزيز القوى المالية على حساب المصالح الاجتماعية للأمم، أو كما عبر عن
ذلك “كارل ماركس” بأن البرجوازية تخلق عالما يتلاءم مع صورتها !

السياسة الاقتصادية العالمية، البحث عن البدائل أمام أزمة الأفكار النيولبرالية

منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، شكلت الولايات المتحدة الأمريكية، قطب الرحى في انتشار
الأفكار النيولبرالية وإشاعتها في السياسات الاقتصادية العالمية –ولم يكن المغرب في منأى عن ذلك-،
لكن الأزمة الاقتصادية –فيما يعرف بأزمة العقار- التي غزت العالم سنة 2008، جعلت هذا النظام
الاقتصادي النيوليبرالي تحت مجهر التشكيك في نجاعته، خاصة وأن الأزمة ضربت بذروة قوتها في
الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر معقل تبني أفكار النيوليبرالية الاقتصادية. لتسود التعبيرات
الرافضة في معظم البلدان بما فيها المغرب، للأفكار التي تضمنها إجماع واشنطن لسنة 1989 لصاحبه
الأمريكي جون وليامسون، ولما يعرف بنظرية الانسياب الاقتصادي التدريجي بشكل عام.

استمرت تداعيات الأزمة المالية لسنة 2008 على اقتصادات مختلف بلدان العالم، وإن كان المغرب لم
يتأثر بشكل مباشر بهذه التداعيات، إلا أن تأثر أوروبا كان كافيا لانعكاسها على الاقتصاد المغربي،
خاصة وأن الاتحاد الأوروبي طالما شكل شريكا استراتيجيا يستند عليه الاقتصاد المغربي بشكل كبير.

وبعد أن بدأت تظهر بعض معالم التعافي من هذه الأزمة، حلت بالعالم أزمة أخرى من نوع آخر، أزمة
الفيروس التاجي أو ما يعرف بجائحة كوفيد-19-. هي الأزمة التي أعادت إلى النقاش العالمي ضرورة
التفكير في أساليب ومناهج تدبيرها الاقتصادي وإعادة النظر في رسم حدود تدخل الدولة ضمن ذلك،
وبرز معها سؤال جوهري هل أصبح العالم اليوم مطالبا بإحياء النموذج الكينزي أو بناء نموذج جديد
للدولة الاجتماعية؟؟

تمظهرات الاتجاه نحو الدولة الاجتماعية بالمغرب

إن السياسة الاجتماعية بما تعنيه من برامج واستراتيجيات وخطط ضمن السياسات العمومية التي تروم
تعزيز المجالات ذات البعد الاجتماعي، تشكل الآلية والوسيلة العملية للدولة الاجتماعية. ولعل أبرز
مظاهرها في التجربة المغربية هو الورش المتعلق بالحماية الاجتماعية.

وتجدر الإشارة إلى أن الحماية الاجتماعية بما تجسده كحق من حقوق الإنسان، تجد مرجعياتها ضمن
الإطار المعياري لحقوق الإنسان إن سواء تعلق الأمر بالدستور أو بالشرعية الدولية ذات الصلة.

(الدستور المغربي خاصة الفصلين 31 و35، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان خاصة المواد (22 –
23 – 24 – 25)، المواد من 9 إلى 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، الوثائق المرجعية لمنظمة العمل الدولية خاصة الاتفاقية رقم 102 بشأن المعايير الدنيا للضمان

الاجتماعي ومجالات الحماية الاجتماعية، خطة التنمية المستدامة لعام 2030 التي تحمل شعار “برنامج
عمل لأجل الناس والأرض ولأجل الازدهار”…).

مباشرة بعد اعتلاء الملك محمد السادس لعرش أسلافه، تعاقبت المبادرات ذات الصبغة الاجتماعية
بوثيرة أكبر من ذي قبل، فلا تكاد تخلوا الخطابات الملكية في مختلف المناسبات من توجيهات عامة
بمثابة خارطة طريق لتعزيز البرامج والسياسات الاجتماعية التي تضع ضمن أولوياتها مصلحة
المواطن. (ولعل أبرزها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، برنامج المساعدة الطبية، برنامج دعم الأرامل،
برنامج تيسير، وإحداث اللجنة الوزارية لقيادة إصلاح وحكامة منظومة الحماية الاجتماعية سنة
2018…)

لكن التبني الصريح لمفهوم الدولة الاجتماعية في الخطاب الرسمي، لم يتجسد إلا مع البرنامج الحكومي
الأخير، الذي اعتمده كأول محور ضمن التزامات الحكومة المنبثقة عن انتخابات شتنبر 2021. وهو
التبني الذي أعقبه عدد من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية وإطلاق عدد من الأوراش برعاية ملكية،
خاصة ورش تعميم الحماية الاجتماعية، بما يعبر عنه (وفق تعريف الأمم المتحدة) كمجموعة من
الأدوات والتدابير الفعالة للوقاية والحد من الفقر.

ونذكر من جملة التدابير المعتمدة:
 تعزيز انخراط المملكة في المنظومة الأممية لحقوق الإنسان
 إطلاق السياسة العمومية المندمجة للحماية الاجتماعية 2020/2030
 دخول القانون رقم 72.18 المتعلق بالسجل الاجتماعي الموحد إلى حيز النفاذ بعد نشره بالجريدة
الرسمية في غشت 2021
 المصادقة على القانون الإطار 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية
 إحداث صندوق محمد السادس للاستثمار
 إحداث قطاع وزاري يهتم بالحماية الاجتماعية (وزارة الصحة والحماية الاجتماعية) بعد أن كان
مديرية بوزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية سابقا
 إصلاح منظومة التربية والتكوين عبر اعتماد خارطة الطريق 2022-2026
 إحداث صندوق للاستثمار وتعزيزه إلى جانب بعض القطاعات الاجتماعية بمخصصات مالية
مهمة في قانون المالية لسنة 2023.

خاتمة

وتبقى أبرز التخوفات المطروحة زيادة عن الهواجس ذات الصلة بكفاية المخصصات المالية المرصودة
لتنفيذ هذه التدابير-خاصة مع الأوضاع الدولية غير المستقرة-، هو السقوط فيما أسماه “بيير بورديو”;
بطقوس الإصلاح، بمعنى الإصلاح على الإصلاح من أجل بلوغ إصلاح آخر على الإصلاح الذي
سبقه…

ختاما، يمكن القول أن المغرب سجل انفتاحا نوعيا على مستوى توجيه بوصلة اهتمام سياساته العمومية
نحو السياسات ذات البعد الاجتماعي، لكن القول الحاسم في انتهاء هذه التوجهات إلى تحقيق مساعي
الدولة الاجتماعية يبقى مبكرا. إذ لابد من التأني حتى اكتمال تشكل الشروط الذاتية والموضوعية للتجربة
بما يستحمل إخضاعها لعملية التقييم الشامل للجدوائية والأثر، وبما يكفل التقاط المؤشرات الكافية لتحديد
نجاعة هذه التوجهات من عدمها.

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.