
أعادت قضية الطفلة هداية إلى الواجهة النقاش المجتمعي والقانوني حول مدى ملاءمة النظام الجنائي للأحداث مع واقع الجرائم الخطيرة التي أصبح بعض القاصرين يقترفونها بوعي تام وبوحشية صادمة.
فأن تُغتصب قاصر، ويُنكّل بجثتها، بل تُغتصب مرة ثانية بعد وفاتها، جريمة لا يمكن أن تُدرج في خانة “الانحراف الطفولي”، بل في خانة الجرائم الموصوفة بالوحشية التي تهز الضمير الإنساني قبل أن تهز ثقة المجتمع في العدالة.
الإطار القانوني المنظم لعدالة الأحداث
ينظم المشرع المغربي عدالة الأحداث من خلال الكتاب الثالث من قانون المسطرة الجنائية، ولا سيما الفصول من 458 إلى 517.
ويقوم هذا النظام على مبدأ الطابع التربوي والإصلاحي للعقوبة بدل الطابع الزجري.
فوفق الفصل 461 من قانون المسطرة الجنائية:
“إذا ارتكب الحدث الذي لم يبلغ بعد سن الثامنة عشرة جريمة، فإنه لا يُحكم عليه بعقوبة جنائية، وإنما يُحكم عليه بتدبير من تدابير الحماية أو التهذيب أو الإصلاح المنصوص عليها في هذا القانون، وذلك بحسب الأحوال.”
غير أن هذا التوجه العام لا يمنع القاضي من ممارسة سلطته التقديرية إذا تبين له أن الحدث كان مميزًا ومدركًا تمامًا لخطورة فعله، وهو ما أكده الفصل 482 من نفس القانون الذي ينص على أن:
“إذا تبين للمحكمة أن الحدث، وقت ارتكاب الجريمة، كان متمتعًا بكامل قواه العقلية ومدركًا تمام الإدراك لخطورة أفعاله، فلها أن تقرر حرمانه من الاستفادة من ظروف الحداثة المنصوص عليها في هذا الباب، وتطبق عليه العقوبة المقررة قانونًا للجريمة التي ارتكبها، بعد تعليل خاص في الحكم يبيّن أسباب هذا القرار.”
حدود النص وسلطة القاضي التقديرية
القاضي الجنائي لم يكن مقيدًا تمامًا بجمود النص؛ فالمشرع منحه إمكانية تقدير الوعي الجنائي للحدث.
في حالة الطفلة هداية، حيث الجريمة اقترنت بـ:
الاغتصاب المقرون بالتعذيب والتنكيل؛
اغتصاب الجثة بعد الوفاة؛
نية إخفاء الجريمة والتخلص من الأدلة؛
كلها عناصر تدل على نضج جنائي تام، وانتفاء أي مظهر من مظاهر الطفولة أو ضعف الإدراك.
وبالتالي، فإن تطبيق قواعد “الحدث” في هذه الحالة يفرغ العدالة من مضمونها الأخلاقي والاجتماعي، ويصدم الشعور العام بالإنصاف.
السؤال الجوهري
لماذا لم يُفعّل القاضي الجنائي مقتضيات الفصل 482 من قانون المسطرة الجنائية؟
فالمعطيات المادية والنفسية للجريمة تُثبت أن الجاني، البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، كان متمتعًا بقدرة كاملة على التمييز والإدراك، وهو ما كان يبرر حرمانه من ظروف الحداثة.
كان على المحكمة أن تعتبره مسؤولًا مسؤولية كاملة، وأن تُنزّل عليه العقوبة الأصلية المنصوص عليها في الفصل 486 من القانون الجنائي، أي السجن المؤبد، بدل الاكتفاء بعقوبة خمسة عشر سنة التي تمثل الحد الأدنى.
إن عدم تمسك المحكمة بالفصل 482 يُعدّ نوعًا من الجمود في التطبيق، وتغليبًا للشكل على روح العدالة التي تستوجب التناسب بين الفعل والعقوبة.
مسؤولية المشرع المغربي القاضي يمكنه الاجتهاد داخل النص، لكن لا يمكنه تجاوزه.
لذلك، فإن القصور التشريعي هو الذي يفرض على القاضي أحيانًا تطبيق قواعد لم تُصمم لمثل هذه الجرائم.
لقد أصبح من الضروري اليوم أن يتدخل المشرع المغربي لتعديل النظام الجنائي للأحداث، عبر:
إدراج استثناءات واضحة في حالات الجرائم البالغة الخطورة؛
السماح بتجريد الحدث من الحماية القانونية إذا أثبت التحقيق أنه كان واعيًا ومدركًا لأفعاله؛
رفع الحد الأدنى للعقوبة في جرائم القتل والاغتصاب المقرون بالعنف والتنكيل حتى بالنسبة للأحداث المميزين.
نحو اجتهاد قضائي أكثر جرأة
الاجتهاد القضائي المغربي مدعو اليوم إلى التحلي بقدر أكبر من الجرأة التفسيرية، عبر تفعيل الفصول:
الفصل 482 من قانون المسطرة الجنائية (بشأن رفع الحماية عند الإدراك الكامل)،
الفصل 486 من القانون الجنائي (بشأن تشديد العقوبة في جرائم الاغتصاب المقرونة بالعنف أو الوفاة)،
وذلك في ضوء المبادئ العامة للعدالة الجنائية التي تجعل الخطورة الإجرامية والوعي بالفعل معيارًا أساسيًا للمسؤولية.
ختاما ان ما حدث للطفلة هداية ليس مجرد جريمة قتل، بل رسالة صادمة إلى المشرّع بأن نظام الأحداث بصيغته الحالية لم يعد كافيًا لضمان الردع والعدالة.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة هذا القانون، بحيث لا تكون “حداثة السن” مبررًا للإفلات من العقاب، متى ثبت أن “الحدث” لم يعد طفلًا في وعيه ولا في أفعاله.
