عقدت اللجنة التقنية المحلية بعمالة تطوان، مؤخرا اجتماعا خصص لدراسة مشرونفع تصميم تهيئة المدينة العتيقة، في خطوة اعتبرها متابعون محطة مهمة في مسار التخطيط لمستقبل المدينة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي منذ سنة 1997.
وأكد عادل بنونة رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بالمجلس، أن هذا المشروع يأتي في سياق متجدد من التفكير في سبل الحفاظ على الموروث التاريخي والمعماري للمدينة، مع تعزيز أدوارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باعتبارها فضاءً حياً لا يقتصر على قيمته التراثية فحسب، بل يمثل جزءاً أساسياً من الهوية الحضارية للمغرب.
ووأشار إلى أنه رغم استفادة المدينة العتيقة من برامج تأهيل واسعة خلال العقدين الأخيرين، خاصة عبر البرنامج الملكي لإعادة التأهيل في مرحلتيه بين 2011 و2014 ثم 2019 و2023، باستثمارات تجاوزت 665 مليون درهم، فإن عدداً من الفاعلين المحليين يرون أن التحديات البنيوية ما تزال قائمة، سواء على مستوى السكن أو النشاط الاقتصادي أو الخدمات الأساسية.
واضاف المتحدث ان عدد من الدور والرياضات التاريخية تعاني من مخاطر التدهور والانهيار، مقابل تواصل نزيف هجرة بعض الملاك والسكان، في ظل محدودية برامج التحفيز الخاصة بإعادة التأهيل والمحافظة على السكن داخل المدينة العتيقة.
كما أكد ان عدة أحياء وأسواق تاريخية، من قبيل السويقة والخرازين والنيارين والسوق الفوقي، تسجل تراجعاً ملحوظاً في النشاط التجاري بعد إغلاق عدد من المحلات، وهو ما انعكس على الحركية الاقتصادية وأثر على جاذبية هذه الفضاءات التي شكلت لسنوات طويلة القلب النابض للمدينة.
وفي المقابل حسب بنونة، برزت تحديات أخرى مرتبطة بانتشار بعض مظاهر الاقتصاد غير المهيكل واحتلال الملك العام، إضافة إلى أنشطة تجارية لا تنسجم في بعض الحالات مع الطابع التاريخي والعمراني للمدينة، الأمر الذي يطرح إشكالية التوازن بين النشاط الاقتصادي ومتطلبات الحفاظ على المشهد التراثي.
وأوضح، أن المدينة العتيقة من خصاص في بعض خدمات القرب، من بينها المرافق الصحية والخدمات البنكية والإدارية والفضاءات الموجهة للأطفال والشباب، وهو ما يجعل عدداً من المتتبعين يدعون إلى إدماج هذه الاحتياجات ضمن التصور الجديد للتنمية المحلية.
ومن بين القضايا التي تحظى باهتمام متزايد حسب المتحدث، وضعية الحرف التقليدية التي شكلت لعقود طويلة جزءاً من هوية تطوان الاقتصادية والثقافية، حيث تشهد بعض المهن التراثية تراجعاً ملحوظاً، ما يستدعي، إطلاق برامج لدعم التكوين والتسويق وربط هذه الحرف بالاقتصاد الثقافي والسياحي.
وقال بنونة، ان مشروع تصميم التهيئة المرتقب ينبغي أن يتجاوز الجانب التقني المرتبط بتنظيم المجال العمراني، ليشكل وثيقة استراتيجية متكاملة تنسجم مع المقتضيات الدستورية والقوانين الوطنية الخاصة بحماية التراث والتعمير، فضلاً عن التزامات المغرب الدولية في مجال صيانة التراث الثقافي العالمي.
وشدد بنونة على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية واسعة تشمل الساكنة والمنتخبين والمهنيين وجمعيات المجتمع المدني، مع إحداث آليات دائمة للتنسيق والتتبع، وإطلاق برامج لإنقاذ البنايات الآيلة للسقوط، وتنظيم الأنشطة التجارية، وإحياء الحرف التقليدية، وتثمين الفضاءات الثقافية، بما يضمن استعادة المدينة العتيقة لدورها كمجال للعيش والإنتاج والإبداع.
وأكد على أن نجاح تصميم تهيئة المدينة العتيقة لتطوان لن يقاس فقط بما يتضمنه من مقتضيات تنظيمية، بل بقدرته على إعادة التوازن بين متطلبات حماية التراث وتحقيق التنمية، بما يحفظ للمدينة مكانتها التاريخية ويضمن استدامة إشعاعها الحضاري والاقتصادي للأجيال المقبلة.




