في رد أثار الجدل، حاول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إنكار واقع العزلة السياسية والدبلوماسية التي تعيشها بلاده، متهماً الإعلام والمراقبين بـ”تلفيق مزاعم” لا أساس لها، رغم ما تشهده الجزائر من توتر متصاعد مع عدد من جيرانها وشركائها الأوروبيين.
وخلال مقابلة بثها التلفزيون العمومي مساء الجمعة 18 يوليوز، قال تبون: “من يدّعي أن الجزائر في عزلة تكذّبه الوفود الأجنبية العديدة التي تزورها”، في تصريح بدا أقرب إلى التبرير الإعلامي منه إلى التقييم السياسي الواقعي.
ورغم محاولة تبون رسم صورة وردية للعلاقات الخارجية، فإن الوقائع تكشف جبهة علاقات مشتعلة مع ثلاث دول مجاورة، أبرزها المغرب، التي قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية معها منذ غشت 2021، في خطوة أحادية الجانب، بذريعة ما سمّته “دعم حركة انفصالية”.
لكن المتابعين يجمعون على أن الصراع حول قضية الصحراء المغربية هو أصل التوتر الحقيقي، حيث يواصل النظام الجزائري دعم جبهة البوليساريو الانفصالية سياسيًا وعسكريًا، في تحدٍّ صريح للقرارات الدولية ومساعي الحل السلمي.
كما لا تزال الحدود البرية مغلقة بين البلدين منذ ما يزيد عن 30 سنة، في واحدة من أطول حالات الإغلاق الحدودي في العالم، ما يعكس جمودًا دبلوماسيًا خطيرًا تتحمّل الجزائر مسؤوليته السياسية والإنسانية.
وعلى الصعيد الأوروبي، دخلت الجزائر في نزاعات مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي بسبب قراراتها أحادية الجانب بفرض قيود تجارية، ما دفع بروكسيل إلى تفعيل آليات التحكيم المنصوص عليها في اتفاق الشراكة، وهو ما يعتبره مراقبون “تحولاً نحو المواجهة بدل التعاون”.
وفي خضم ذلك، يحاول النظام الجزائري تسويق زيارات بروتوكولية محدودة كدليل على الانفتاح، متجاهلاً التقلص الكبير في مستوى الشراكات الاستراتيجية، وانكماش الحضور الدبلوماسي الفعال للجزائر في الملفات الإقليمية والدولية.
ويرى عدد من المحللين أن تبون اختار الهروب إلى الأمام عبر خطاب إنكاري لا ينسجم مع واقع الجزائر الإقليمي، التي تبدو أكثر بعدًا عن محيطها المغاربي والإفريقي، فيما تفقد تدريجيًا ثقة الشركاء الأوروبيين الذين يتذمرون من سياسات غير موثوقة.
وفي وقت تتجه فيه دول الجوار نحو شراكات اقتصادية عابرة للقارات، تصر الجزائر على التمسك بخطاب قديم قائم على العداء والصراعات الباردة، في وقت لم يعد فيه المزاج الدولي يقبل بعقلية “الانغلاق والتخندق”.
وفي تطور يعمّق أزمة العلاقات الإقليمية للجزائر، شهدت الأشهر الأخيرة توترًا حادًا مع دول الساحل الإفريقي، خصوصًا مالي والنيجر وبوركينافاسو، وهي الدول التي كانت تُصنّف تقليديًا في خانة الحلفاء التاريخيين للجزائر.
ففي مطلع أبريل الماضي، أقدمت قوات الجو الجزائرية على إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي، بدعوى أنها كانت “في مسار هجومي”، وهو ما فجّر موجة احتجاجات حادة من باماكو، واعتبرته انتهاكًا لسيادة الدولة المالية.
واتضح لاحقًا أن المسيّرة كانت في مهمة استطلاع ضد متمردي “أزواد” المدعومين جزائريًا حسب رواية سلطات باماكو، ما كشف عن خلافات جوهرية بين الجزائر والنظام الانتقالي في مالي بقيادة العقيد عاصيمي غويتا، الذي يتهم الجزائر صراحة بـ”احتضان مجموعات متمردة تعمل على زعزعة الاستقرار”.
وعقب الحادث، أعلنت النيجر تضامنها الكامل مع مالي، تلتها بوركينافاسو التي أصدرت موقفًا مماثلًا، ما يعني أن دول الساحل الثلاث باتت تصطف دبلوماسيًا ضد الجزائر، في تحول غير مسبوق.
وبات الإعلام الإقليمي يصف الجزائر بأنها “جار الشمال المتغطرس”، مشيرًا إلى فشلها في بناء علاقات قائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، وتفضيلها نهج الوصاية والتدخل غير المباشر، حتى مع أنظمة حليفة عسكريًا في السابق.
ويعتبر محللون أن تدهور العلاقات مع دول الساحل يُسقط ما تبقى من نفوذ الجزائر في إفريقيا جنوب الصحراء، ويجردها من أوراق التأثير التي لطالما استخدمتها في مواجهة خصومها الإقليميين، وعلى رأسهم المغرب، الذي نجح في السنوات الأخيرة في بناء علاقات استراتيجية واسعة داخل القارة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن عزلة الجزائر لم تعد مجرّد ادعاء إعلامي، بل واقع إقليمي ودولي تؤكده الوقائع المتسارعة، في وقت تعجز فيه الدبلوماسية الجزائرية عن تصحيح المسار أو تقديم مبادرات بناء ثقة حقيقية مع جيرانها.
