كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة في المغرب عرف تراجعًا طفيفًا خلال الفصل الثالث من سنة 2025، ليستقر عند 13,1% بدل 13,6% في الفترة نفسها من السنة الماضية.
ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو إيجابية في ظاهرها، إلا أن المتتبعين يرون فيها تحسنًا هشًّا لا يعكس واقع الأزمة البنيوية التي يعيشها سوق الشغل الوطني، في ظل عجز السياسات الحكومية عن خلق فرص عمل مستدامة ومهيكلة.
فحسب المعطيات الرسمية، انخفض عدد العاطلين بـ 55 ألف شخص ليبلغ مليونًا و629 ألفًا، لكن هذا التراجع تحقق أساسًا في الوسط الحضري، بينما ظل الوسط القروي يعاني من ضعف التشغيل وتراجع النشاط الاقتصادي.
الأخطر، أن الفئات الأكثر هشاشة لا تزال تدفع الثمن الأكبر، إذ بلغت البطالة لدى النساء 21,6%، ولدى الشباب (15-24 سنة) 38,4%، إضافة إلى 19% في صفوف حاملي الشهادات، ما يؤكد فشل برامج الحكومة في إدماج الكفاءات الشابة داخل النسيج الاقتصادي.
ورغم إعلان الحكومة عن مشاريع لتشجيع التشغيل الذاتي وتحفيز الاستثمار، فإن حصيلتها الميدانية تبقى محدودة، بدليل أن أغلب مناصب الشغل المحدثة خلال هذا الفصل – وعددها 167 ألف منصب – تركزت في القطاعات منخفضة الأجور وضعيفة الحماية الاجتماعية، مثل الخدمات والبناء، مقابل فقدان 47 ألف منصب في الفلاحة، وهو القطاع الذي يُشغّل نسبة كبيرة من اليد العاملة القروية.
كما سجلت المندوبية تراجع معدل النشاط الوطني إلى 43,3% بدل 43,6%، ما يعني أن جزءًا مهمًا من الفئات القادرة على العمل خرج من دائرة البحث عن الشغل بسبب الإحباط أو غياب فرص واقعية.
ويُظهر توزيع البطالة على الجهات استمرار التفاوتات الجهوية الحادة، حيث تتركز أعلى المعدلات في الجنوب والشرق وفاس–مكناس، في مقابل معدلات أقل بجهات طنجة–تطوان–الحسيمة ومراكش–آسفي وسوس–ماسة، ما يعكس ضعف العدالة المجالية في توزيع فرص العمل والاستثمار.
ويرى محللون أن استمرار هذه المؤشرات السلبية رغم الخطابات الحكومية المتفائلة يطرح أسئلة جادة حول مدى نجاعة البرامج التشغيلية التي تم الترويج لها منذ بداية الولاية الحالية، خصوصًا في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة تربط التكوين بالتشغيل، والاستثمار بالتنمية البشرية.
ويخلص المراقبون إلى أن ما تحقق من “تراجع” في البطالة لا يتجاوز كونه تحسنًا تقنيًا ظرفيًا، في حين تظل جذور الأزمة قائمة، ما يستدعي إصلاحًا حقيقيًا لسياسات الشغل بدل الاكتفاء بالأرقام التي لا تعكس واقع ملايين المغاربة الباحثين عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم.
