مازال الاتفاق التمويلي الموقع بين المغرب والبنك الدولي، يثير نقاشا حول حجم القروض الخارجية التي تلجأ إليها المملكة لتمويل الإصلاحات والمشاريع، ومدى انعكاس هذه الالتزامات طويلة الأمد على المالية العمومية وقدرة الحكومات المقبلة على تدبير المديونية.

وتداولت معطيات تفيد بأن المغرب أبرم اتفاقا مع البنك الدولي بقيمة إجمالية تصل إلى 15 مليار دولار على مدى عشر سنوات، أي بمعدل يقارب 1.5 مليار دولار سنويا. غير أن هذا الرقم يحتاج إلى تدقيق في طبيعة الاتفاق، إذ لا يعني بالضرورة أن المغرب سيتلقى المبلغ كاملا كقرض سنوي، وإنما يتعلق ببرنامج تمويلات يخضع لشروط ومراحل مرتبطة بالبرامج والمشاريع المتفق عليها.
وأثار حجم التمويلات المرتقبة تساؤلات بشأن تدبير المديونية العمومية، خصوصا في ظل اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، وما يترتب عن الالتزامات المالية طويلة الأمد من مسؤوليات تقع أيضا على عاتق الحكومات المقبلة.
ويرى منتقدو سياسة الاقتراض أن اللجوء المتزايد إلى التمويلات الخارجية يطرح ضرورة تعزيز الشفافية بشأن طبيعة هذه القروض، وكلفتها، وشروطها، والبرامج التي تمولها، ومدى قدرتها على تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي يبرر الالتزامات المالية المترتبة عنها.
في المقابل، لا تعد قروض البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، في حد ذاتها، مؤشرا على أزمة مالية، إذ تلجأ إليها دول عديدة لتمويل مشاريع البنية التحتية والإصلاحات الهيكلية وبرامج التنمية، وغالبا ما تكون مرتبطة بأهداف ومؤشرات محددة.
كما يطرح النقاش مسألة تطور المداخيل الضريبية خلال السنوات الأخيرة، ومدى انعكاس ارتفاع الإيرادات على جودة الخدمات العمومية وقدرة الدولة على تمويل استثماراتها دون اللجوء بشكل متزايد إلى الاقتراض.
وتبرز هنا أهمية نشر المعطيات المتعلقة بمآل التمويلات الخارجية، خصوصا ما يرتبط بكلفة الاقتراض، وآجال السداد، وأسعار الفائدة، والجهات المستفيدة، والنتائج الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة من المشاريع الممولة.
ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه المغرب منذ سنوات على تمويلات من مؤسسات مالية دولية، من بينها البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، لتمويل عدد من البرامج والاستثمارات والإصلاحات.
ويتركز جوهر النقاش، بذلك، ليس فقط على حجم القروض، وإنما على جدواها الاقتصادية، وقدرتها على خلق القيمة وفرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية، ومدى توافق آجال السداد مع العائد المنتظر من المشاريع الممولة.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي يطرح نفسه أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام لا يتعلق بالاقتراض في حد ذاته، وإنما بكيفية ضمان توجيه هذه الموارد نحو استثمارات منتجة، وتعزيز الشفافية والمساءلة بشأن نتائجها، بما يحول دون انتقال كلفة الالتزامات المالية الحالية إلى الأجيال المقبلة.



