تصريح بوقادوم… حين تكشف كلمة واحدة أن “الثوابت” في الجزائر ليست ثابتة

جورنال2421 نوفمبر 2025
جورنال24
الواجهةحديث الجيران
الجزائر

لم يكن تصريح السفير الجزائري في واشنطن، صبري بوقادوم، مجرد جملة عابرة. حين قال أمام مركز “ستيمسون” إن “كل شيء ممكن” في رده عن احتمال التطبيع مع إسرائيل، لم يكن يجيب عن سؤال بقدر ما كان يفتح بابًا ظلت الجزائر الرسمية توصدُه منذ نصف قرن.

هذه الجملة المقتضبة لا تحمل فقط معنى سياسياً، بل تكشف حجم الهزة التي يعيشها النظام الجزائري داخليًا وخارجيًا. لقد سقطت ورقة التوت، وتبيّن أن الخطاب الذي رُفع لعقود عن “الوفاء الأبدي للقضية الفلسطينية” لم يكن سوى واجهة سياسية تحكمها الظروف الدولية أكثر مما تحكمها المبادئ.

من شعار “التحرّر” إلى لهاث وراء واشنطن

من الصعب تصديق أن هذا الانزياح المفاجئ مجرد انفعال أو زلة لسان. فمنذ أشهر، يتحرك بوقادوم بكثافة في واشنطن، في محاولة لترميم صورة الجزائر وإعادة بيعها كحليف محتمل للولايات المتحدة.
ترويج إعلامي، توقيع اتفاقيات عسكرية غير مسبوقة، تحركات داخل اللوبيات، وفتح خطوط تفاوضية حول صفقات أسلحة أمريكية… كلها مؤشرات على أن الجزائر تقود تحولًا استراتيجيًا مدفوعًا بالبحث عن رضا واشنطن بأي ثمن.

وكل هذا يحدث في وقت تهدد فيه الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الجزائر بسبب ارتباطها العسكري الوثيق بروسيا، ما دفع النظام إلى محاولة “إعادة التموضع” ولو اضطر إلى التخلي عن جزء من إرثه الإيديولوجي.

تصريح بوقادوم: لحظة الاعتراف بالسعي إلى التطبيع

التطبيع، في الخطاب الجزائري الرسمي، كان خطًا أحمر. اليوم، بوقادوم يعترف بأن “كل شيء ممكن”، هذه ليست عبارة دبلوماسية، بل رسالة سياسية موجّهة إلى الخارج، موقّعة بوضوح: الجزائر مستعدة لإعادة النظر في مواقفها التاريخية إذا اقتضت مصالح النظام ذلك.

إنها لحظة الحقيقة،  فما كان يُباع للشعب على أنه “مبدأ” يتبيّن اليوم أنه كان مجرد تكتيك ظرفي، قابل للمراجعة حين تتغيّر موازين القوة.

القضية الفلسطينية… ورقة أخلاقية تم استهلاكها

لطالما قدّم النظام الجزائري نفسه كـ “صوت فلسطين” في المنطقة. لكن الحقيقة هي أن هذا الموقف كان جزءًا من جهاز دعاية داخلي، أكثر منه التزامًا حقيقيًا بالقضية.
والدليل أن الخطاب تغيّر بمجرد تغيّر مصالح النظام، وبمجرد أن أصبحت واشنطن تلوّح بعقوبات، كما أن النظام الجزائري يعيش حالة بحث محموم عن دور إقليمي، بعد أن وجد نفسه معزولًا في محيطه المغاربي والإفريقي والمتوسطي، و تصريح بوقادوم هو إشارة ذلّة وخنوع سياسي أكثر مما هو موقف شجاعة وبطولة، إنه إعلان أن الجزائر مستعدة للقيام بأي خطوة — حتى لو كانت تناقض عقودًا من خطابها — من أجل أن تعود إلى طاولة الاهتمام الأمريكي.

التطبيع — مثل غيره من التحولات الكبرى — ليس هو المشكلة بالنسبة للنظام العسكري الحاكم في الجزائر، المشكلة هي النفاق السياسي، ورفع شعار حماية فلسطين في العلن، ومغازلة تل أبيب عبر بوابة واشنطن في الخفاء.

خطاب مزدوج يكشف أن “الثوابت” ليست سوى واجهة، وأن المصلحة السياسية للنظام هي البوصلة الوحيدة التي تحكم سلوكه.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News