شهدت الجلسة الشهرية المخصصة للمساءلة السياسية لرئيس الحكومة بمجلس النواب مواجهة رقابية ساخنة، حيث وجّه رئيس الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية، عبد الرحيم شهيد، انتقادات لاذعة وحادة للحصيلة السياسية والدستورية للأغلبية الحكومية، معتبراً أن التدبير الحالي يفرغ المؤسسات من مضمونها الدستوري
وفي مستهل مداخلته، أكد عبد الرحيم شهيد أن الحكومة الحالية تسجل غياباً غير مبرر عن نصف عدد الجلسات التي يلزمها بها الدستور في إطار العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وكشف شهيد أن رئيس الحكومة حضر 22 مرة فقط من أصل 40 جلسة شهرية مفترضة، وهو ما اعتبره خرقاً واضحاً وصارخاً لمقتضيات الفصل 100 من الدستور، مشيراً إلى أن هذا التعامل يفرغ المساءلة من مضمونها ويكرس منطق الإفلات من المحاسبة.
وأضاف عبد الرحيم شهيد أن مسألة المحاسبة تحولت إلى “تنسيق مسبق وشبه شهري” بين رئيس الحكومة وأغلبيته، مما جعلها جلسات استعراضية وتبريرية عوض أن تكون محطة حقيقية للمراقبة والمساءلة. واعتبر شهيد أن اختيار مواضيع هادئة وقطاعية في هذا التوقيت هو “تجسيد صارخ لسياسة الهروب إلى الأمام”، ومحاولة مكشوفة للاحتماء بقطاعات معينة هروباً من مواجهة الأزمات الحارقة التي تكوي بيوت المغاربة
وفي سياق متصل، شدد عبد الرحيم شهيد على أن إصرار رئيس الحكومة على إعادة إنتاج نفس الخطاب الاستعراضي، ومناقشة موضوع “التعليم” للمرة الرابعة على التوالي في ظل سياق سياسي واقتصادي متأزم، يؤكد أن الحكومة لا تجيد إلا الالتفاف على الرقابة البرلمانية واستخدام العناوين البراقة للتغطية على عجزها السياسي في التعامل مع القضايا الآنية والمصيرية للمعاش اليومي للمواطنين.
ودعا عبد الرحيم شهيد رئيس الحكومة إلى التمتع بالشجاعة السياسية الكافية للوقوف داخل المؤسسات الدستورية والإجابة عن الأسئلة الصعبة والتحديات الحقيقية التي تؤرق بال الشعب المغربي، بدل الارتكان إلى خطابات الإنشاء التربوي وتكرار الوعود لقطاع ينزف أصلاً تحت تدبير الحكومة الحالي.
وفي المحور الاجتماعي، وجّه عبد الرحيم شهيد سؤالاً استنكارياً قوياً لرئيس الحكومة قائلاً: “أين هي إجاباتكم عن الانهيار غير المسبوق للقدرة الشرائية للمواطنين؟ وأين هي تدابيركم لمواجهة الغلاء الفاحش الذي ألهب الجيوب؟”.
كما تساءل عبد الرحيم شهيد مستغرباً عن الصدمة القاسية التي عاشتها العائلات المغربية في تدبير شعيرة عيد الأضحى خلال السنتين الأخيرتين، حيث تخلت الحكومة حسب تعبيره عن دورها وعن شعار “الدولة الاجتماعية” الذي تتبجح به، تاركة المواطن البسيط أعزل في مواجهة جشع المضاربين والشناقة.
وحول الربط بين التعليم والواقع المعيشي، أوضح عبد الرحيم شهيد أن محاولة الفصل بين نقاش منظومة التعليم والواقع الاجتماعي المأزوم للمغاربة تشكل مفارقة سياسية صارخة. وأكد شهيد أن “المغرب الصاعد” الذي تبشر به الحكومة في صالوناتها لا يمكنه الصعود على أكتاف مجتمع منهك ومسحوق بالتفاوتات المجالية والاجتماعية.
وتساءل عبد الرحيم شهيد بنبرة لوم: “كيف لتلميذ أو طالب يعيش في مغرب التهميش، ويعاني والداه الأمرين لتوفير القوت اليومي وثمن الأضحية والحد الأدنى من الكرامة، أن ينخرط في مدرسة الجودة والابتكار؟”، مشدداً على أن الصعود الحقيقي للأمم يبدأ حتماً بتأمين الكرامة المعيشية أولاً.
وفي انتقداد صريح للسياسات المجالية، ساءل عبد الرحيم شهيد رئيس الحكومة عن مدى التزامه بالتوجيهات الملكية السامية الصادرة بمناسبة عيد العرش، والتي حثت على النهوض بمناطق الواحات والمناطق الجبلية. وأكد شهيد بأسف شديد أن الحكومة لم تقدم أي مبادرة ملموسة أو برنامج حقيقي في هذا الإطار، متهماً إياها بـ”بيع الأوهام في مقرات أحزابها وترك الشارع يغلي
وفي ختام كلمته، أكد عبد الرحيم شهيد أن المعارضة الاتحادية نبهت الحكومة مراراً وتكراراً إلى أن استمرار التهرب من المساءلة الحقيقية يعمق فجوة عدم الثقة ويزعزع مصداقية المؤسسات. واعتبر أن تكرار المواضيع (حيث ناقشت الحكومة الصحة 3 مرات، والاستثمار 3 مرات، واليوم التعليم للمرة الرابعة) لن يغير من الواقع شيئاً.
وختم عبد الرحيم شهيد مداخلته بتأكيد أن المغاربة اليوم لا ينتظرون من رئيس حكومتهم محاضرات مكررة أو دروساً إنشائية، بل يريدون معرفة ما إذا كان قد قام فعلاً بالدور المكلف به دستورياً في تنفيذ السياسات العامة، وينتظرون منه قرارات حازمة وشجاعة تحمي عيشهم الكريم وتصون كرامتهم
