
محام وباحث الهجرة وحقوق الإنسان
لنقف جميعا على حافة مشهد عارض من إحدى جامعاتنا وكلياتنا بالشمال، ونحاول وضع قراءة لما تعرض له الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، مشهد يعكس أزمة عميقة في الحرم الجامعي المغربي، تتجاوز حدود الاختلاف الفكري المشروع ، لتبلغ مستوى الإقصاء الممنهج والعنف الرمزي والمادي.
إن ما وقع في كلية تطوان ليس حادثا عرضيا معزولا، بل هو إمتداد لحالة من التسيب الأيديولوجي التي توظف فيها قضايا قومية ودولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، كأدوات للشرعنة السياسية والرمزية لفعل الهيمنة داخل الفضاء الجامعي.
ما يلفت الإنتباه ، هو الازدواجية الصارخة في تعاطي هذا التيار “القاعدي القومي الماركسي” ، مع حرية التعبير والحق في الإختلاف. ففي الوقت الذي يمنح فيه المنبر في كليات أخرى لرموز هذا التيار المعروف بهوسه الإيديولوجي تجاه القضية الفلسطينية، يمنع في المقابل الدكتور العثماني، الطبيب النفسي، من تقديم محاضرة علمية ذات بعد إنساني وإجتماعي حول موضوع الاكتئاب. هذا التناقض يستفاد منه ، أن الصراع داخل الجامعة لا علاقة له بالقضايا التي يتم رفعها كشعارات ، كفلسطين أو مناهضة التطبيع، بقدر ما يعكس نزوعا إقصائيا يستهدف رموزا فكرية وسياسية بعينها، وفق منطق تصفية حسابات أيديولوجية ضيقة.
الأخطر من ذلك أن هذا التيار لا يتحرك بمعزل عن محيطه، بل يجد دعما مباشرا أو ضمنيا من أطراف تستغله لتحقيق أهداف أعمق. فالعنف الذي يمارس ضد المخالفين في الرأي، تحت غطاء “القومية” أو مناهضة الإمبريالية، لا يمكن أن يفهم إلا في إطار مشروع متكامل لفرض نمط معين من الفعل السياسي داخل الجامعة، نمط يقصي ويشيطن ولا يتحاور. ويثير ذلك تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذا الصمت الرسمي المريب تجاه انتهاك واضح لمبدأ الحرية الأكاديمية واستعمال العنف السياسي في الفضاء العمومي الجامعي.
أما بخصوص التحالفات المشبوهة التي يقيمها هذا التيار القومي المتطرف مع الطلبة الإنفصاليين في مواقع أكادير ومراكش، فتؤكد أن هناك تماهيا خطيرا بين من يرفع شعار الوحدة “العربية” وبين من يدعو إلى تمزيق الوحدة الوطنية. فالدعم الذي يقدمه هذا التيار للجمهورية الوهمية لا يمكن تبريره بأي منطق قومي أو ثوري، بل هو سقوط فاضح في مستنقع الخيانة والتواطؤ مع أعداء الوطن .
ختاما ، إن ما يحدث داخل الجامعة اليوم يحتاج إلى وقفة وطنية شجاعة من الدولة والمجتمع على حد سواء، لتجديد الفهم الحقيقي لمهمة الجامعة، وقطع الطريق على كل من يحاول تحويلها إلى ساحة للعنف والتطاحن الإيديولوجي والتخوين. فالقضية الفلسطينية لا تبرر التطرف، كما أن مناهضة التطبيع لا تمنح أحدا صكوك الوطنية. الوطن أولا، والديمقراطية الفكرية لا تبنى بالعنف بل بالحوار والنقاش وإحترام التنوع والحق في الإختلاف.
