كشفت معطيات متداولة في أوساط المهتمين بشؤون الجالية المغربية المقيمة بالخارج، عن تراجع ملحوظ في عدد أبناء الجالية، خاصة من الجيلين الثالث والرابع، الذين يختارون قضاء عطلتهم الصيفية في المغرب، حيث أصبح العديد منهم يفضل وجهات سياحية بديلة داخل أوروبا أو في بلدان أخرى مثل تركيا واليونان.
ويرجع متتبعون هذا التغيير في السلوك السياحي إلى تنامي ظاهرة “التفاخر والتباهي الاجتماعي” وسط فئة من الشباب المغاربة المقيمين بالخارج، حيث يسعى العديد منهم إلى إبراز مكانتهم الاجتماعية من خلال استعراض أنماط عيشهم وسفراتهم على منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي خلق نوعًا من الضغط والتنافس السلبي.
وتضيف المصادر ذاتها، أن هذا التوجه بات يؤثر على قرارات الأسر المغربية المقيمة بالخارج، التي أصبحت تفضل قضاء عطلتها في مدن أوروبية سياحية، نظرًا لما توفره من خدمات ترفيهية وراحة من دون الانخراط في مناخ المقارنات أو المظاهر الذي أصبح، بحسب تعبير البعض، “يسيطر على الأجواء الصيفية بالمغرب”.
تشير المعطيات إلى أن دولًا مثل تركيا، اليونان، إسبانيا، وكرواتيا، باتت تشهد إقبالًا متزايدًا من أبناء الجالية المغربية خلال فترة الصيف، وذلك بفضل تنوع عروضها السياحية وتكاليفها التنافسية، بالإضافة إلى بعدها الجغرافي القريب نسبيًا من بلدان الإقامة.
وفي هذا السياق، دعا عدد من النشطاء إلى ضرورة دراسة الظاهرة من طرف المؤسسات المعنية بملف الجالية، بهدف فهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها الأجيال الجديدة من مغاربة العالم، والعمل على تطوير العروض السياحية بالمغرب بما يتلاءم مع انتظاراتهم.
شهد موسم صيف 2025 تراجعًا ملحوظًا في أعداد مغاربة العالم القادمين إلى أرض الوطن لقضاء عطلتهم السنوية، مقارنةً بالسنوات الماضية. ولم تعد مشاهد الازدحام المعتادة في موانئ الجزيرة الخضراء، وطنجة، والناظور حاضرة كما في السابق، خاصة خلال فترات الذروة التي كانت تُعرف بطوابير طويلة من السيارات والمهاجرين.
ويُعزى هذا التراجع، بحسب معطيات متطابقة وشهادات ميدانية، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الارتفاع الكبير في أسعار تذاكر السفر، سواء الجوية أو البحرية. فقد تجاوزت أسعار بعض التذاكر عبر النقل البحري، انطلاقًا من موانئ مثل جنوى الإيطالية نحو طنجة المتوسط، 4000 يورو لسيارة نفعية وشخصين ذهابًا وإيابًا. كما بلغت أسعار تذاكر الطيران عبر شركات منخفضة التكلفة، في بعض الحالات، ما يقارب 900 يورو للفرد الواحد.

وأمام هذه التكاليف الباهظة، قرر عدد متزايد من أفراد الجالية المغربية قضاء عطلتهم داخل بلدان الإقامة أو دول الاتحاد الأوروبي، أو حتى في دول البلقان مثل ألبانيا وكرواتيا، التي تشهد في السنوات الأخيرة إقبالًا سياحيًا متزايدًا، بفضل جودة الخدمات، والبنية التحتية الجيدة، والأهم من ذلك الأسعار المعقولة.
من جهة أخرى، تشير المعطيات إلى تغيّر ملحوظ في سلوك الجيل الجديد من أبناء الجالية، حيث بات العديد من الشباب يفضلون قضاء العطلة بشكل فردي أو مع الأصدقاء، بعيدًا عن الرحلات العائلية التقليدية التي كانت تتم عبر سيارات مكتظة بالأمتعة والعائلات، كما كان شائعًا في تسعينيات القرن الماضي.
وقد ساهمت الزيادات المهولة في أسعار الإقامة والخدمات السياحية داخل المغرب في تعميق هذا التراجع، خاصة في مدن الشمال، التي باتت تعرف ارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار. فعلى سبيل المثال، بلغ ثمن قنينة ماء معدني في بعض المطاعم خمسين درهمًا، وهو سعر لا يُسجّل حتى في أشهر الوجهات السياحية الأوروبية كفرنسا وإسبانيا.
كما لعبت عوامل أخرى دورًا إضافيًا في عزوف عدد من أفراد الجالية عن القدوم هذا الموسم، من بينها الاكتظاظ المروري في الطرق السريعة، والبيروقراطية في بعض المصالح الإدارية، وهو ما دفع البعض إلى تفضيل وجهات بديلة في منطقة الشرق الأوسط أو البحر المتوسط، مثل تركيا، ومصر، وقبرص، واليونان، مستفيدين من الحملات الترويجية القوية التي تقودها هذه الدول لاستقطاب السياح.
وقد عكست الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي واقع التراجع المسجَّل في عملية “مرحبا” لهذا العام، وسط دعوات إلى إعادة النظر في كلفة السفر وجودة الخدمات السياحية المقدَّمة للمغاربة المقيمين بالخارج، باعتبارهم شريكًا استراتيجيًا في التنمية الاقتصادية الوطنية.



