شريط الاخبار

من طنجة المتوسط إلى الساحل.. كيف يرسم المغرب ملامح البوابة الأطلسية لإفريقيا؟

لم يعد مضيق جبل طارق مجرد ممر بحري يربط المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط، بل أصبح أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، إذ تعبره نحو 300 سفينة يوميا، بمعدل سفينة كل خمس دقائق، فيما يمر عبره أكثر من 10 في المائة من حركة التجارة البحرية الدولية.

Workplace

ويكتسب هذا المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه 14 كيلومترا في أضيق نقطة، أهمية استراتيجية كبيرة باعتباره بوابة العبور بين أوروبا وإفريقيا وأحد أهم ممرات الملاحة في العالم.

وفي الضفة الجنوبية للمضيق، لم يعد الحديث يقتصر على ميناء طنجة المتوسط باعتباره قصة نجاح منفردة، بل بات المغرب ينفذ رؤية أشمل تهدف إلى بناء منظومة لوجستية متكاملة تجعل من المملكة البوابة الأطلسية الرئيسية لإفريقيا، عبر شبكة تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي وصولا إلى دول الساحل.

وخلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع اضطرار شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح بسبب الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر، برزت أهمية الممرات البحرية الآمنة، وهو ما عزز المكانة الجيوستراتيجية للمغرب باعتباره نقطة ارتكاز رئيسية في حركة التجارة بين أوروبا وإفريقيا والأسواق العالمية.

ويرى متابعون أن التحول الذي يشهده المغرب يتجاوز تطوير ميناء طنجة المتوسط، الذي يعد من أكبر موانئ الشحن العابر في حوض المتوسط، ليشمل إنشاء شبكة متكاملة من الموانئ والبنيات اللوجستية والمناطق الصناعية، مدعومة باستثمارات في قطاعات السيارات والطيران والخدمات اللوجستية، إلى جانب إصلاحات جمركية تهدف إلى تسريع حركة التجارة وتحسين تنافسية الاقتصاد.

وفي هذا الإطار، انتقلت الاستراتيجية المغربية من إدارة ميناء ناجح إلى بناء منظومة اقتصادية مترابطة تجعل من الموانئ المغربية حلقات ضمن ممر تجاري عابر للقارات، يربط أوروبا بإفريقيا ويعزز اندماج دول الساحل في سلاسل التجارة الدولية.

كما يبرز ضمن هذه الرؤية مشروع الربط القاري، حيث يظل مشروع النفق السككي المزمع إنشاؤه تحت مضيق جبل طارق أحد المشاريع المستقبلية التي قد تعزز الربط المباشر بين المغرب وإسبانيا، بعدما أكدت دراسات الجدوى المنجزة سنة 2025 إمكانية إنجازه من الناحية التقنية.

ولا تقتصر الطموحات المغربية على تشييد البنيات التحتية، بل تشمل أيضا تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يؤطر الاستثمارات الكبرى. فمشاريع مثل أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي والموانئ الجديدة تحتاج إلى منظومة متكاملة من القوانين وآليات التحكيم وتسوية النزاعات، بما يعزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “ممرات الحوكمة”، الذي يقوم على توفير بيئة قانونية وتنظيمية تضمن فعالية الممرات الاقتصادية واستدامتها، من خلال تحديث التشريعات، وتعزيز التحكيم التجاري، وتوفير إطار مؤسساتي يواكب المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

ويرى مراقبون أن الرؤية المغربية لم تعد تقتصر على تطوير ميناء أو مشروع منفرد، بل أصبحت تقوم على بناء محور اقتصادي يمتد من البحر الأبيض المتوسط عبر الساحل الأطلسي إلى عمق القارة الإفريقية، بما يعزز موقع المملكة كمركز لوجستي وتجاري بين أوروبا وإفريقيا.

ومع اقتراب انعقاد المنتدى العالمي الأول لحوكمة الشؤون البحرية بمدينة جبل طارق في شتنبر المقبل، ينتظر أن تحظى الاستراتيجية الأطلسية للمغرب باهتمام متزايد، باعتبارها نموذجا يجمع بين تطوير البنيات التحتية وتعزيز الأطر القانونية والمؤسساتية، في مسعى لترسيخ مكانة المملكة كفاعل رئيسي في إعادة تشكيل الممرات التجارية واللوجستية على المستوى الإقليمي والدولي.

شارك المقال شارك غرد إرسال
Journal24