في خضمّ عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الأزمات وتستعر النزاعات المسلحة، لم يعد بالإمكان النظر إلى عمليات حفظ وبناء السلام بمعزلٍ عن دور النساء المحوري. فاستحضار رؤية المرأة، وواقعها، واستجاباتها للأزمات، ليس مجرد خيار تجميلي، بل هو تصحيح ضروري لإلزامنا برؤية شاملة للعالم كما هو. هذا ما شدّد عليه السيد ناصر بوريطة، وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، خلال الاجتماع الذي انعقد بنيويورك حول موضوع “النساء يصنعن السلام في زمن الأزمات والنزاعات المسلحة: كيف يمكن للمقاربات النسوية في السياسة الخارجية أن تُسهم في تعزيز حفظ وبناء السلام (FFP+)”، مؤكداً أن المقاربة النسوية في السياسة الخارجية أصبحت ركيزة أساسية لا محيد عنها.
التزام المملكة: ركائز المقاربة النسوية
بالنسبة للمملكة المغربية، لا تقتصر هذه المقاربة على التنظير، بل تتجسّد في التزامات ملموسة تهدف إلى إدماج المرأة في صُلب العمليات الدبلوماسية والأمنية. وتشمل هذه الالتزامات:
* تعزيز الحضور المؤسسي: العمل على زيادة حضور النساء داخل الوحدات وهيئات الأركان والهيئات التقريرية المتعلقة بحفظ السلام والأمن.
* تمكين الوسيطات: تكوين الوسيطات وتمكينهن من الأدوات اللازمة للاضطلاع بأدوار فاعلة في حل النزاعات وبناء التوافقات.
* مكافحة العنف: تكريس سياسة عدم التسامح إطلاقاً تجاه العنف ضد النساء كشرط أساسي لتمكينهن.
* تعزيز ثقافة السلام: إبراز صوت النساء ودورهن في الوقاية من التطرف العنيف وترسيخ ثقافة السلام في المجتمع.
المغرب ومجموعة (FFP+): رؤية الجنوب والمساواة العالمية
يُعد انضمام المغرب إلى مجموعة FFP+ (مبادرة السياسة الخارجية النسوية) في هذه السنة المفعمة بالرمزية تجسيداً لإرادة المملكة الراسخة. تتزامن هذه السنة مع الذكرى الخامسة والعشرين لصدور القرار الأممي 1325 حول المرأة والسلام والأمن، والذكرى الثلاثين لـإعلان بكين ومنهاج العمل.
هذا الانضمام لا يعكس فقط التزاماً وطنياً، بل يُجسّد أيضاً إرادة المغرب في تقديم رؤية الجنوب، وإيمانه الراسخ بأن النضال من أجل المساواة هو نضال عالمي لا يتجزأ. وبذلك، يؤكد المغرب دوره كفاعل إقليمي ودولي ملتزم بالارتقاء بوضع المرأة في كل السياقات، بما فيها سياقات النزاع والأزمات.
المسار الوطني للإصلاح: من مدونة الأسرة إلى الدبلوماسية
إن المقاربة النسوية في السياسة الخارجية المغربية ليست “نهجاً دخيلاً ولا مستورداً”، بل هي ثمرة طبيعية لمسار وطني لا رجعة فيه، تقوده وتوجهه رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، منذ اعتلائه العرش. وتبرز أهم تجليات هذا المسار في:
* الإصلاحات التشريعية: الإصلاحات التي شهدها الدستور المغربي ومدونة الأسرة، والتي كانت نقطة تحول في النهوض بوضعية المرأة.
* الإصلاح الجديد لمدونة الأسرة: الدعوة الملكية إلى إصلاح جديد لمدونة الأسرة يهدف إلى ترسيخ المكتسبات وضمان المساواة بشكل أكثر فعالية، مما يؤكد العزم على المضي قدماً نحو تحقيق العدالة والمساواة الكاملة.
* تأنيث الدبلوماسية: تترجم هذه الإصلاحات على أرض الواقع بـحضور وازن للمرأة في الدبلوماسية المغربية، حيث تشكل النساء:
* 48% من مجموع الأطر داخل الإدارة المركزية.
* 49% من المناصب القيادية داخل الإدارة المركزية.
* 21% على رأس السفارات، بعضها ذات طابع استراتيجي رفيع.
* 40% على رأس القنصليات العامة.
إن هذه الأرقام تؤكد أن إدماج المرأة ليس شعاراً، بل هو خيار استراتيجي يرفع من كفاءة وفعالية الأداء الدبلوماسي للمملكة، ويجعل من صوتها في المحافل الدولية صوتاً أكثر شمولية وتمثيلاً. إن النساء في المغرب، ومن خلال دورهن المتنامي، يثبتن بشكل قاطع أنهن شريكات أساسيات في صُنع السلام والأمن الإقليمي والدولي.
