شريط الاخبار
           

أحمد نور الدين يكتب: كأس إفريقيا في بلاغ الديوان الملكي

احمد نور الدين

بقراءة مفردات البلاغ الصادر عن الديوان الملكي حول مجريات كأس إفريقيا يوم الخميس 22 يناير 2026، يتبين حرص المغرب على إرسال عدة رسائل للداخل والخارج، أولها ان روابط الأخوة الإفريقية ستنتصر على الحقد والضغينة التي تغذيها جهة معلومة، ثانياً، أنّ النجاح المغربي هو أيضا نجاح لإفريقيا، ثالثاً، أن المنافسة الرياضية ليست ميداناً للحرب بل “سيظل المغرب فخورا بكونه قدم على أرضه شهرا من الفرح الشعبي”، رابعاً، أنّ المغرب يدرك ويعي حجم المخططات المعادية، ولكنه لا ينساق وراءها لأن لديه أهدافاً استراتيجية أسمى وأعلى، ولكنه يحتفظ بحق الرد متى شاء؛ خامساً، انّ المغرب يعطي لهذه المنافسات الرياضية كل عمقها الإنساني من خلال شكر جلالة الملك لملايين المغاربة الذين ساندوا منتخبهم كل واحد باسمه، ولا يرد الفضل لمؤسسات الدولة فقط في النتائج المحققة رياضيا وفي البنيات التحتية عموماً.

إنّ أهداف المغرب من تنظيم التظاهرات الدولية من حجم كأس إفريقيا أو كأس العالم هي أهداف متعددة الأبعاد وذات طبيعة استراتيجية، ولا يمكن أن نختزلها في لقب رياضي مهما علا شأنه. نعم، المغرب حريص على حصول منتخباته الرياضية على الألقاب لأنها تتويج طبيعي للجهود المضنية والتعب والتضحيات، كما أنها لحظة فرح جماعي يلتئم حولها الشعب المغربي بكل أطيافه، ولكن لا يمكن أن نختزل رؤية بعيدة المدى في منافسة قارية واحدة أو في لحظة يتيمة مثل لحظة التتويج بالكأس. كلاّ، طموح المغرب هو أن يجعل من النجاح والتتويج مساراً طويلاً، لا ضربة حظ أو فُقّعة في الهواء، يحصد خلاله الألقاب تِلْوَ الألقاب في كلّ الفئات العمرية بما يضمن الاستمرارية وينتج أثراً حقيقياً ليس في الرياضة وحدها، ولا في البنيات التحتية فقط، ولا في القوة الناعمة للمملكة فحسب، بل في كل جوانب النهضة الشاملة التي عبر عنها جلالة الملك “بالرؤية بعيدة المدى والنموذج المغربي المتفرد”.

العاهل المغربي يقود نهضة شاملة تسعى لجعل المغرب في مصاف الدول الصاعدة، وهو هدف حدده في خطاباته الأولى منذ ربع قرن، ووضع له برنامجاً تنفيذياً، وأرسى أسسه المتينة والعميقة في كلّ القطاعات الإنتاجية والثقافية والتكنولوجية والمهنية والبنيات الفوقية والتحتية وغيرها. وما الرياضة إلاّ جزء من المشهد وليست كلّ المشهد. والتوجه الإفريقي يوجد في قلب الرؤية الاستراتيجية للنهضة، والدخول إلى نادي الدول المتقدمة، لذلك لا يمكن أن نسمح للدولة المعروفة بعدائها للمغرب، من خلال مخططاتها السوداء الهدامة بأن تنحرف بالمسار الطويل للمملكة في لحظة انفعال عاطفي.

المغرب دولة تستثمر في البناء، والعدو يستثمر في الهدم، لذلك فالنتائج واضحة للعيان وشهد بها العالم خلال هذه البطولة الإفريقية، فالبنيات التحتية صنفتها الصحيفة البريطانية “ذي غارديان” بأنها تليق بالمونديال وليس بكأس قارية فقط، والتلفزيون الإيطالي وصف البنيات التحتية المغربية بأنها في “مستوى أوروبا إن لم تكن أفضل منها” حسب تعبيره، وكذلك فعل الإعلام في إسبانيا وفرنسا وحتى البرازيل والصين واليابان. فهل نترك كل هذه الاعترافات الدولية الموثوقة، ونترك الأوسمة العالمية لنلتفت إلى إعلام الجارة الشرّ—قيّة والشقية، الذي بثّ احتفالات جماهيرية بما حَسِبوه “خسارة” للمغرب؟! كلاّ ورافع السماء بلا عمد.

وحين يقول جلالة الملك أن “لا شيء يستطيع أن يمس “التقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية” فإنه يرد على تلك “المخططات المعادية”، بل ويضرب في مقتل الأهداف التي كانت تبحث عنها قوى الشرّ الحاقدة على المغرب، ألا وهي إفساد العرس الإفريقي في آخر لحظات المباراة النهائية، من أجل إفشال ما قام به المغرب خلال عقود من التخطيط والتنفيذ والاستثمار والعمل والتعاون والتنسيق الذي صنع الإشعاع الإفريقي والعالمي للمملكة. لقد استطاع المغرب بصبر ساعة في ملعب مولاي عبد الله أن يقلب السّحر على الساحر، ويكشف للعالم حجم الأحقاد التي تحرك الجارة الشّقية ضد المغرب، ليس في الصحراء المغربية وساحات النزال الدبلوماسي وحدها، بل في كل الميادين بما فيها الرياضية والثقافية والتراثية، وكفى بإسقاط الأقنعة إنجازاً ونصراً مبيناً.

وحين يقول جلالته أنّ “المغرب سيواصل التزامه الراسخ والثابت لفائدة إفريقيا موحدة ومزدهرة” فإنه يفشل بذلك سلسلة الأعمال التخريبية التي بدأت بحملة التشكيك في قدرة المغرب على بناء الملاعب في الآجال المحددة، وانتقلت إلى التشكيك في القرعة، ثمّ في عملية بيع التذاكر لحرمان جمهور الدولة المريضة من تشجيع منتخبهم، وانتهاء بالتشكيك في نزاهة الحكّام ليس إعلاميا فقط، بل من خلال تصريحات رسمية لمدربي ثلاث فرق وصلت إلى الدور نصف النهائي، في محاولة بئيسة لتشويه سمعة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وبالتالي تشويه سمعة القارة كلها وليس المغرب كما كانوا يظنون، فخابوا.

لقد أحبط المغرب بحكمته و”نيته الحسنة” وربما أيضاً بفضل “اليد الإلهية الخفية”، واحدة من أكبر “العمليات الإرهابية”، إذا جاز لي هذا التعبير، والتي خططت لها الجزائر لتفجير العرس الإفريقي في البيت المغربي، ولخلق الشرخ في العلاقات المغربية مع الاشقاء الأفارقة.

ولكن، ربّ ضارة نافعة، وكم نقمة في طيها نِعم كثيرة، فالمغرب ربح الاحترام، وكسب ثقة العالم، وراكم سمعة دولية بناها بالعمل الجادّ لا بالتضليل الإعلامي المُمَنهج. أمّا كسب لقب فهو لا يغير شيئاً في المعادلة لأنّ الذي وصل إلى المباراة النهائية فقد فاز أيّاً كانت النتيجة، خاصة وأنّ المغرب قد فاز بألقاب أخرى كثيرة في هذه النسخة العالمية من كأس إفريقيا، وهي ألقاب لا تقدر بثمن.

لا أقصد “الحذاء الذهبي” للموهوب إبراهيم دياز، ولا “أفضل حارس مرمى” للأيقونة ياسين بونو، ولا حتى “أفضل مدرب” للمعلم وليد الركراكي، وكل واحد من هذه الألقاب المستحقة يعتبر مفخرة للمغرب، ولكنني أقصد لقب “الروح الرياضية” لمنتخبنا الوطني، وهو أفضل تتويج في هذه المنافسات لأنه اختزل لوحده عظمة المغرب بحضارته العريقة وأخلاقه الأسطورية وكرم ضيافته الخرافية، التي صارت حديث القارات الخمسة، وتغنت بها كبريات القنوات الإعلامية في العالم المتحضر. وكفى بها نعمة.

لقد أجاب المغرب بعمقه الحضاري ووزنه التاريخي على دسائس العدو بالإنجازات المحققة في الميدان، من خلال حصول المنتخب على المركز الثامن عالمياً ووصله إلى النهائي إفريقياً، وحصده للألقاب العالمية التي تُغنينا عمّا سواها، ومنها ببلوغنا نصف نهائي المونديال وتحقيقينا بطولة العالم في كرة القدم لأقل من 20 سنة، وفوزنا بكأس بطولة العرب للمنتخبات الوطنية، وحيازتنا بطولة إفريقيا للاعبين المحليين “الشان”، وإحراز مُنتخبَيْنا لأقل من 23 وأقل من 17 عاما كأس أمم أفريقيا مرّتين متتاليتين، كل هذا خلال السنتين أو الثلاث سموات الأخيرة فقط.. وكأنّي بالمغرب يردد لمن أراد أن يسمعه “العرس ليلة وتدبيره عام”.

ختاماً لا بدّ من تذكير الحاقدين والناقمين من ذوي النفوس العليلة والقلوب الصّدِئة، أنّ الاحتفال بخسارة الجار في مباراة لم يكونوا فيها طرفاُ لا تَصنع لهم انتصاراً، وأنّ حسد الآخر على ما يحققه من تقدم لا يزيدهم إلاّ احتراقاً، وأنّ محاولة هدم ما يبنيه الجار لا تُشيّد لهم صروحاً ولا بنياناً.. وأخيرا، عليهم أن يعلموا أنّ إنجازات المغرب لم تأت صُدفة أو “كولسة” كما يحلو لهم ترديده، بل هي نتيجة عمل دؤوب خلال ربع قرن زرع فيها بذور نهضة شاملة، وهو اليوم قد بدأ يحصد ثمار ما زرع، ولا زلنا في البداية فقط، والقادم أجمل وأفضل بإذن الله.

شارك المقال شارك غرد إرسال